المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب .. أمة بين نور الوحي وظلال الموروث

 0
المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب .. أمة بين نور الوحي وظلال الموروث

ليس أشد حزنًا على قلب المؤمن من أن يرى كتاب الله حاضرًا بين أيدي الناس، بينما تغيب مرجعيته عن واقعهم، وأن يجد الأمة التي خُوطبت بالقرآن قد انشغلت بما كتبه البشر أكثر من انشغالها بما أنزله رب البشر.

لقد نزل القرآن ليكون الشرعة والمنهاج، والميزان الذي تُوزن به الأقوال والآراء والاجتهادات، فإذا بالميزان ينقلب، فيُوزن القرآن بما استقر في الموروث، ويُقبل منه ما وافق ذلك الموروث، ويُؤوَّل أو يُهمَل ما خالفه. وهنا تبدأ رحلة الضلال، لا لأن القرآن غاب، بل لأن المرجعية تبدلت.

إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس عدوًا من خارجها، وإنما حالة الجمود التي كرستها قرون من تقديس اجتهادات البشر، حتى أصبح كثير من الناس يخشون مراجعة التراث أكثر مما يخشون هجر القرآن، وأصبح سدنة الموروث يقفون في وجه كل دعوة صادقة إلى إعادة القرآن إلى مكانه الطبيعي مرجعًا أعلى يحتكم إليه الجميع.

ومع ذلك، فإن القرآن لا يدعو إلى اليأس من الناس، ولا إلى إصدار الأحكام عليهم، وإنما يدعو إلى الصبر، وإقامة الحجة، وفتح أبواب التدبر أمام كل عقل وقلب. فالهداية ليست ملكًا لأحد، والقلوب بيد الله وحده، وهو سبحانه يعلم من يطلب الحق بإخلاص، ومن يتبع الهوى وهو يعلم.

ومن هنا تنطلق رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، باعتبارها مشروعًا حضاريًا يعيد الاعتبار للقرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا للإنسان، ويعمل على تحرير العقول من أسر التعصب للمذاهب والانتماءات الضيقة، من خلال الحوار، والتدبر، ونشر ثقافة السلام والعدل والرحمة بين الناس جميعًا.

ولا ترى المؤسسة أن معركتها مع أشخاص أو جماعات، وإنما مع الأفكار التي حجبت نور القرآن، وأنتجت الانقسام والصراع والكراهية. ولذلك فإنها لا تدعو إلى هدم التراث لمجرد الهدم، وإنما إلى إعادة عرضه على ميزان القرآن، فما وافق كتاب الله قُبل، وما خالفه رُدّ، ليعود المسلمون إلى المرجعية التي ارتضاها الله لهم.

لقد واجه جميع الأنبياء هذا المشهد؛ فكانت حجج المعارضين واحدة، تقوم على التمسك بما وجدوا عليه الآباء، حتى أصبح التقليد عقيدة، وأصبح التجديد في ضوء الوحي تهمة. ومع ذلك، انتصر الحق بالحجة والصبر، لا بالغضب ولا بالإكراه.

واليوم تواصل مؤسسة رسالة السلام العالمية هذا الطريق، إيمانًا منها بأن نهضة الأمة لن تبدأ بإصلاح السياسة أو الاقتصاد وحدهما، وإنما تبدأ بإصلاح المرجعية الفكرية التي تُبنى عليها جميع مجالات الحياة. فحين يعود القرآن قائدًا للفكر، يصبح العدل منهجًا، والرحمة ثقافة، والسلام غاية، والإنسان محور البناء الحضاري.

إن الأمة لا تُقاس بما فيها من المضلين، وإنما بما يبقى فيها من باحثين عن الحق، وما دام في الناس من يفتح قلبه لآيات الله، فإن باب الإصلاح سيظل مفتوحًا، وسيبقى الأمل قائمًا مهما اشتدت مقاومة الموروث ومهما تعاظمت الغطرسة.

﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. وسيظل وعد الله قائمًا بأن نوره لا ينطفئ، وأن رسالته باقية، وأن كل جهد صادق لإعادة الأمة إلى القرآن إنما يشارك في صناعة مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا ورحمة للإنسانية كلها.