الدكتورة فينوس فؤاد تكتب : سهير عثمان تجسد الهوية و التراث برؤية معاصرة
يظل التراث مصدر الإلهام الخصب لدي معظم الفنانين علي مر العصور في كافة المجالات الفنية من عمارة و نحت و طباعة و رسم و غيرهم العديد من اشكال والوان الابداع ، فالفنان المبدع لا يكتفي بدراسة عناصر التراث ونقلها كما هي ، بل يتعمق في دراسة تلك العناصر متخذا من فلسفتها مدخلا لإعادة صياغتها بشكل جديد يحمل ملامح فنه الخاص و هذا ما تقدمه "سهير عثمان" في اعمالها الفنية المتعددة الخامات والمعالجات التقنية بهدف تطوير الاستخدام للعناصر الفنية لتشمل الشق التطبيقي للفن و هو مجال عملها الاكاديمي مما يساعد في تأكيد الهوية عن طريق ما يعرف بالإلحاح البصري بهدف تأكيد الهوية والانتماء لدي اجيال من الفنانين اندفعت نحو التغريب و الانسياق وراء الحداثة دون وعي ، فتظهر اعمال "سهير عثمان' لتلوح لهم بأن الحداثة ليست بالتغريب بل باستخدام الوحدات والرموز التراثية لإنتاج اعمال فنية حداثية تحمل ملامح الهوية المصرية والعربية.
فالتراث ليس قيداً للماضي، بل هو القاعدة الصلبة التي ينطلق منها بناء المستقبل فالإلمام بالتراث وجمالياته ينير الأفكار ويقودها نحو الابتكار والتجديد ، فقد ترك لنا الأسلاف الكثير من التراث الذي يحق لنا أن نفخر به ، لذا سيظل التراث محورا اساسيا للإبداع في جميع المجالات.
الاستلهام من التراث يعد من اشهر عوامل الانطلاق نحو العالمية ، فالتمسك بالهوية هو ذلك المفتاح السحري للتفرد والتميز بشرط ان يرتبط ذلك بلمسات مبتكره تحمل بصمة الفنان و تحاكي روح الحضارة ، عن طريق استخدام بعض الرمرز والاشارات لابتكار تكوينات تشكيلية جديدة ، والامثلة كتيرة علي ذلك منها اعمال الرواد "محمود مختار" و "محمود سعيد" و "راغب عياد" ، و لم يقتصر ذلك علي الفنانين المصريين او العرب فقط، بل امتد الي الفنانين العالميين فكما استلهم الفنان العالمي "بابلو بيكاسو" لوحته الشهيرة "آنسات أفينيون" من التراث الأفريقي ومنحوتاته الخشبية التي دمج فيها الخطوط الهندسية للأقنعة الأفريقية مع الفن الغربي، استلهم ايضا "فان جوخ" في لوحته "ليلة النجوم" دوامات السماء التي تعكس الأساطير الهولندية وتراث الفلك الشعبي لذي تأثر به "جوخ" خلال طفولته فأصبحت تلك اللوحات علامات تميز أصحابها و تضعهم علي خريطة العالمية من خلال الفهم المتعمق للتراث الذي شكل وجدانهم مع صياغة جديدة للعناصر التراثية بالإضافة الي رؤية خاصة بالفنان تحمل سمات اسلوبه.
الفن المصري القديم نبع الابداع
ضم المعرض الاستيعادي "الهوية و انا" للفنانة سهير عثمان عددا كبيرا من اللوحات عبرت عن نقلات قوية للفنانة خلال مراحلها الفنية سواء علي مستوي العناصر التراثية او اساليب المعالجة و الخامات المستخدمة، و لكن يظل العنصر الأساسي المشترك هو التراث المصري سواء كان مستمد من الحضارة المصرية القديمة مثل لوحة العازفات وكذلك استخدام اهم المعالجات التي برع فيها الفنان المصري القديم مثل معالجة الايدي وضفائر الشعر و كذلك معالجة شكل الجسد الانساني الذي يظهر في بعض اللوحات المطبوعة علي مستويات متعددة من الطباعة ذات الملامس المختلفة و كانه جسد عارضة ازياء معاصرة في ابهي زينتها ، كما كان الوضع المثالي للجسد الانساني الذي يظهر فيه الصدر بوضع امامي بينما يظهر الوجه بالوضع الجانبي الذي فضله الفنان المصري القديم عنصرا اساسيا في لوحات "عثمان" و قد ظهر في مزاوجة مع زهرة اللوتس التي ترمز الي الخلق والخلود والتجدد كما انها رمزا الي حضارة الجنوب.
استخدمت "سهير عثمان" زهرة اللوتس في تكوينات لوحاتها بعدة معالجات بعضها يحاكي تيجان اعمدة المعابد و بعضها تجريدي تشابك و اتحد ليكون تشكيلات زخرفية حداثية في مزاوجة مع باقي العناصر المصرية القديمة مثل مياه النيل و مفتاح الحياة والخرطوش ومفردات اللغة الهيروغليفية ، و استمرت "عثمان" في التجديد والتجريد الي ان وصلت الي أبجدية تشكيلية خاصة بها ، نظمت من خلالها تكوينات حملت بصمتها الشخصية المتفردة.
الخط العربي و اللغة الهيروغليفية :
لم تكتفي سهير عثمان بالفن المصري القديم كمصدر لاستلهام اعمالها بل استخدمت الفن الإسلامي أيضا كمكون اساسي من مكونات الهوية المصرية ، فقامت بتحريك اضافي الي الاشكال الهندسية التي تميز بها الفن الاسلامي واستخدمتها في تكوينات حداثية متجددة في اللون و حركة العناصر، كما انها استبدلت الألوان مثل الذهبي والاخضر والازرق التي تميزت بها الحضارة الاسلامية الي الالوان الفوسفورية المضيئة في تكويناتها لتحمل بصمتها هي و لكن بمرجعية تراثية.
كما استخدمت "سهير عثمان" في لوحاتها الخط العربي الحر بليونتة و كذلك مفردات اللغة الهيروغليفية بتركيباتها الفريدة لتكون بهما هارموني فريد في لوحاتها يجمع بين الليونة والصرامة ، و بين الحدة والوقار.
الاهرامات و النيل والمرأة و الاساطير المصرية القديمة اهم العناصر
تعد المرأة هي القاسم المشترك في معظم لوحات "سهير عثمان" سواء بصورة مباشرة او كرمز حيث اتخذت من الاساطير المصرية القديمة والمرأة محاور أساسية في لوحاتها فأظهرت تفاصيلها بدقة ، كما ظهرت الاهرامات بصورة مباشرة في اللوحات او بصورة غير مباشرة من خلال التكوينات الهرمية المتزنة ، او من خلال طبقات اللون المتراكبة في الخلفية.
التلوين والحفر
استخدمت "عثمان" الالوان بأساليب مختلفة وفقا لأسلوب التنفيذ، فنجدها تستخدم تقنية التصبيغ لخيوط النسيج قبل تطبيقها علي النول اليدوي لتحاكي التدرج اللوني في اوقات الغروب والشروق ، كما نجدها تتقن في استخدام اللون في اللوحات المطبوعة بالشاشة الحريرية ، و كذلك طبقات اللوحات الجرافيكية المطبوعة بالواح الزنك ، و لكنها تظل في النهاية معالجات لونية و بالتة لون خاصة جدا بها تميزها عن غيرها من الفنانين.
كما برعت "سهير عثمان" في الحفر بالنسيج الذي تستخدمه في مستويات متعددة ببراعة و اتقان ظهر بقوة في اللوحات النسيجية ذات اللونين الاسود والابيض في بهاء نادر و تضاد لوني ساهم في ابراز التفاصيل بقوة.
بيوت النوبة و خرائط الهوية
استخدمت "سهير عثمان" طرز الحضارة النوبية و اشكال عمارتها المميزة بزخارفها الدقيقة ذات الطابع الشعبي في لوحاتها كما ظهرت الخريطة بشكلها المباشر و حدودها الواضحة تارة ، و تارة اخري اضافت لها حدودا من اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) و حدودا اخري من اللغة العربية المزينة بإسم مصر و سيناء يظهر جليا واضحا لتأكيد الهوية المصرية اصل الحضارة.
التراث في اعمال "سهير عثمان" هو تراث متنوع ما بين التراث الإسلامي والمصري القديم والقبطي ايضا ، فهي تسعي مباشرة في اعمالها للارتباط بالجذور
باختصار استطاعت سهير عثمان الغوص في مفردات التراث المصري القديم والتراث الاسلامي و القبطي والشعبي لتبدع ملحمة بصرية خاصة بها مستخدمة ابجديات خاصة بها تترجم بها ما عشقته من روح التراث .
سهير عثمان ..ابداع و تميز
الدكتورة "سهير عثمان" هي فنانة تشكيلية تقدم تجاربها الفنية منذ عام ١٩٧٦ فور تخرجها من كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان سابقا (جامعة العاصمة حاليا)، كما تشغل حاليا منصب عميدة المعهد العالي للفنون التطبيقية بالتجمع الخامس ، تم ادراج اسمها في عدة موسوعات منها موسوعة الشخصيات النسائية البارزة 1000 شخصية نسائية ، و موسوعة المرأة المصرية ، كما مثلت مصر فى أكثر من دولة بأعمالها الفنية و حصلت على ما يقرب من 30 جائزة محلية ودولية منها على سبيل المثال لا الحصر جائزة البينالى الأول لفن الجرافيك لدول البحر المتوسط عام 1982 ، و جائزة الشراع الذهبي لمصر بينالي الكويت الدولى ، كما حصلت على جائزة الدولة التشجيعية عام 2004 .
فى معرضها الحالي (الهوية و انا) المقام حاليا بقاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا المصرية والذي افتتحته وزيرة الثقافة الدكتورة "جيهان زكي" و وزير الخارجية الاسبق السفير "عمرو موسي" ، و محافظ القاهرة الدكتور "ابراهيم صابر" و كاتبة هذه السطور قدمت فيه "عثمان" عرض استيعادي شامل للعديد من الأعمال الفنية المنفذة بتقنيات مختلفة شملت فن الطبعة الفنية و كذلك فن السجاد اليدوي و فن الكليم والكولاج والطباعة بالشاشة الحريرية و الطباعة بالواح الزنك ، حبث تعد الفنانة الدكتورة "سهير عثمان" من الفنانين القلائل الذين يتمتعون بمهارات وقدرات خاصة و دقة في تنفيذ التصميمات المستلهمة من العناصر التراثية المتعددة ، كما تتأصل مرجعياتها الفنية إلى دراستها الاكاديمية العميقة كأستاذ جامعي مرموق في مجال طباعة المنسوجات ، وباحثة متعمقة في جماليات الفن الإسلامي والفن المصرى القديم ، بالاضافة الي اهتمامها المستمر بالاستلهام من التراث الشعبي في تصميماتها متعددة التقنيات ، مما جعل اعمالها مميزة لا تخطئها العين ؛ فهي اعمال خرجت من عمق تراث الحضارات المتراكبة التي تعرضت لها الشخصية المصرية لتخطو بتفرد الي العالمية بصورة مختلفة عن اقرانها من الفنانين.