سوريا ولبنان والعراق والأردن: شراكة أمنية واقتصادية في بيئة مضطربة

 0
سوريا ولبنان والعراق والأردن: شراكة أمنية واقتصادية في بيئة مضطربة

بغداد - مركز العرب

يواجه المشرق العربي، أو ما يُعرف تاريخيًا وجغرافيًا بفضاء الشام والعراق، حزمة معقدة من التحديات والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعيد رسم ملامح الإقليم في مرحلة ما بعد النزاعات الكبرى. فمن بوابات دمشق وبيروت وبغداد وعمّان، تتدفق مؤشرات حيوية تعكس رغبة جماعية في التهدئة وتثبيت دعائم الاستقرار، والتحول من منطق المحاور العسكرية والصراعات المسلحة إلى مسارات الحوار الدبلوماسي والتكامل التنموي. هذا التقرير الصحفي التحليلي يرصد التطورات الأخيرة في هذه الدول الأربع، مسلطًا الضوء على التداخل العضوي في ملفات الأمن والسياسة بين مكونات هذا الفضاء الإقليمي الحيوي الذي يسعى جاهدًا لتجاوز إرث الحروب وبناء معادلات جديدة قائمة على أسس السيادة والمصالح الاقتصادية المشتركة.

وفي هذا السياق، تبرز سوريا كمحرك أساسي لطروحات إقليمية جديدة تعكس مرحلة التعافي والتحول الداخلي بعد سنوات من الحرب العنيفة. وقد تُرجم هذا التوجه بشكل عملي في المواقف الرسمية الأخيرة الصادرة عن الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي حسمت بشكل قاطع طبيعة الدور السوري المستقبلي في الملف اللبناني الشائك، حيث نفى الشرع وجود أي نية لدمشق للتدخل العسكري في الجارة الغربية، مفسرًا التصريحات الأمريكية الأخيرة بأنها انصبت حول مساهمة سوريا في إيجاد مخرج آمن وهادئ للأزمة اللبنانية. ويبدو أن القيادة السورية الجديدة تحاول صياغة مقاربة "خارج الصندوق" تقطع مع أدبيات الماضي، من خلال إبداء مرونة لافتة ومستعدة للتحاور مع كل الأطراف اللبنانية، بما في ذلك "حزب الله"، شريطة أن يخدم هذا الحوار المصالح العليا للبلدين ويحترم سيادتهما، ورغم الإشارة الصريحة إلى الجروح التي خلفها تدخل الحزب في الحرب السورية السابقة، فإن دمشق تبدي راهنًا تغليبًا للغة البراغماتية، معتبرة أن أمن لبنان واستقراره يمثلان مصلحة سورية مباشرة وأي اضطراب فيه سينعكس حتمًا على عمقها الداخلي.

 مقاربة سورية - لبنانية لتحقيق التنمية

هذه المقاربة السورية القائمة على مبدأ التنمية والإعمار والربط الاستراتيجي بين الشرق والغرب، تلاقت مع صدى إيجابي سريع في أروقة السلطة التنفيذية في بيروت؛ إذ سارع رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى إجراء اتصال هاتفي بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أثنى خلاله على مواقف الرئيس الشرع الواردة في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، معتبرًا أنها وضعت حدًا نهائيًا للتكهنات والافتراضات التضليلية التي سادت الساحة السياسية والإعلامية حول نيات دمشق. ويمثل هذا التواصل الرسمي مؤشرًا هامًا على رغبة الطرفين في بناء علاقات ثنائية جديدة تدار على قاعدة "من دولة إلى دولة" ووفق المصلحة المشتركة والتكامل الاقتصادي والتاريخي، لا سيما أن الخطوط التجارية البحرية والبرية تظل العصب الحيوي الذي يربط موانئ بيروت وطرابلس بالمدن السورية الحيوية كدمشق وحمص، مما يجعل من التعاون الاقتصادي بديلًا حتميًا عن الانخراط في المحاور العسكرية الحزبية أو الطائفية.

وجاءت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لتكمل هذا المشهد السيادي، حيث رحب بأي مساعدة خارجية تسهم في إنهاء الحرب الدائرة ووقف القصف، لكنه وضع خطًا فاصلًا ومشددًا بين تلقي الدعم وبين التدخل في الشؤون الداخلية. وأكد الرئيس عون أن القرار الوطني اللبناني لا يمكن التفاوض عليه من قِبل أي طرف خارجي، وأن الدولة بمؤسساتها الدستورية وقواتها المسلحة هي الضامن الوحيد لجميع اللبنانيين بمختلف طوائفهم، مشيرًا إلى أن التنافس السياسي في البلاد أمر مشروع ديمقراطيًا طالما لم يتحول إلى أداة لتعطيل المؤسسات. كما ربط عون مسار النهوض اللبناني بملفات الإصلاح الداخلي ومكافحة الفساد عبر تفعيل القضاء المستقل والتحول نحو الحكومة الإلكترونية، مما يظهر سعيًا لتمتين الجبهة الداخلية بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الحثيثة الرامية لتثبيت وقف إطلاق النار.

تحركات دبلوماسية متطورة

وفي إطار المساعي الدولية والإنقاذية للحد من التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، شهدت الساحة الدبلوماسية تحركات رفيعة المستوى قادها الرئيس اللبناني عبر اتصالات مكثفة مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وتركزت هذه المباحثات على إمكانية تشكيل خلية تنسيق مشتركة تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وهو المقترح الذي يأتي امتدادًا للتفاهمات التي جرت في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران لإنشاء خلية لفض النزاعات. ويبدو أن الأجواء الإقليمية تتجه تدريجيًا نحو التهدئة مع إعلان الجانب الأمريكي عن إحراز تقدم ملحوظ في هذا الملف بفضل التعاون مع شركاء إقليميين، بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكا، والتي يُعول عليها كثيرًا لوقف النزيف العسكري وبدء مرحلة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

العراق يتنفس الصعداء

ولا تقتصر رياح التهدئة على الجبهة السورية اللبنانية؛ بل تمتد لتلقي بظلالها الإيجابية على العراق، الذي بدأ يتنفس الصعداء اقتصاديًا عقب التوصل إلى مذكرة التفاهم الأخيرة بين طهران وواشنطن وإنهاء حرب الشرق الأوسط التي شلت ممرات الطاقة لعدة أشهر. وفي هذا الصدد، أعلنت وزارة النفط العراقية عن توجه جاد لإعادة معدلات الإنتاج والتدفق النفطي إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون شهر إلى شهرين، لتتجاوز مجددًا حاجز 3 ملايين برميل يوميًا من حقول الجنوب. وكان الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز قد أجبر بغداد، التي تعتمد موازنتها العامة بنسبة 90 % على العائدات النفطية، على تقليص إنتاجها بشكل حاد والاعتماد على منافذ تصديرية محدودة عبر سوريا وتركيا بعد امتلاء الخزانات، فضلًا عن تعرض بعض حقولها لضربات فصائلية مسلحة، إلا أن إعادة فتح المضيق بالتزامن مع التفاهمات الأخيرة أعادت تفعيل شريان الاقتصاد العراقي، وبدأت الحقول برفع طاقاتها الاستيعابية مجددًا.

 إعادة ترتيب البيت المالي

وفي سياق متصل بترتيب البيت المالي العراقي، تسلم محافظ البنك المركزي الجديد نزار ناصر، مهامه الرسمية، متعهدًا بمواصلة العمل المؤسسي لتعزيز كفاءة الأداء وترسيخ الاستقرار المالي والنقدي بالتعاون مع الطواقم الإدارية للبنك. وفي خطوة تهدف إلى طمأنة الأسواق وكبح جماح المضاربات، نفى البنك المركزي العراقي بشكل قاطع كل الأنباء والشائعات المتداولة حول نية تعديل سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي، محذرًا من التلاعب بالاستقرار الاقتصادي عبر وثائق مزورة تزعم تقديم طلبات حكومية للبرلمان برفع سعر الصرف، ومؤكدًا ثبات السعر الرسمي عند حدود 1310 دنانير للدولار، وهو ما يمنح الاقتصاد العراقي فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء الاحتياطيات النقدية في مرحلة ما بعد أزمة الصادرات.

 الأردن في قلب العاصفة الجغرافية

أما الأردن، الذي يقع في قلب العاصفة الجغرافية للإقليم، فقد واصل التعامل بحزم ويقظة مع التداعيات الأمنية والاقتصادية الناتجة عن الصراع المتجدد. وعلى الصعيد الأمني، جددت الحكومة الأردنية عبر ناطقها الرسمي الدكتور محمد المومني، تحذيراتها الصارمة من انتهاك أجواء المملكة، وذلك عقب رصد اختراقات بصواريخ نتيجة التصعيد الإقليمي، ما دفع بالأجهزة الأمنية إلى تفعيل صافرات الإنذار وإرشاد المواطنين. وشددت عمّان على أن القوات المسلحة الأردنية تسخر كل إمكاناتها لحماية الحدود والأمن الداخلي، مؤكدة رفضها القاطع بأن يتحول الأردن إلى ساحة حرب بالوكالة أو ممر للصراعات بين أي أطراف إقليمية متنازعة، وهو موقف ثابت يعكس رغبة حثيثة في النأي بالنفس عن حرائق الجوار مع الحفاظ على الجاهزية الدفاعية القصوى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهر الأردن مرونة واضحة في مواجهة الضغوط الناجمة عن التوترات الإقليمية، وهو ما حظي بإشادة واضحة من قِبل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في تقريره الأخير. ورغم التوقعات بتباطؤ طفيف في معدل النمو الاقتصادي الأردني ليصل إلى حدود 2.6 % خلال العام الحالي مقارنة بـ 2.8% العام السابق، فإن التقديرات تشير إلى إمكانية عودته للارتفاع مجددًا مع تراجع حدة التوترات. وأسهمت الإجراءات التقشفية والترشيدية التي اتخذتها الحكومة الأردنية، كتقليص الإنفاق الحكومي ودعم قطاعي الزراعة والسياحة، بالإضافة إلى تسريع المعاملات الجمركية للسلع الأساسية وإطلاق ممر العقبة - طرطوس التجاري المشترك مع سوريا، في الحد من اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وتحجيم الارتفاع الطفيف في معدلات التضخم التي استقرت عند مستويات مسيطر عليها بفضل توافر احتياطيات مريحة من الوقود والغاز الطبيعي.

وفي المحصلة، تظهر القراءة التحليلية المترابطة لأوضاع المشرق العربي، أن هذا الفضاء الجغرافي الممتد من سواحل المتوسط السورية واللبنانية إلى الهضاب الأردنية والسهول العراقية، يتحرك جماعيًا نحو صياغة معادلة أمنية واقتصادية جديدة تفرضها طبيعة المرحلة الحالية. إن رغبة دمشق في فتح صفحة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل، وتشبث بيروت بسيادتها الوطنية مع السعي لتثبيت وقف إطلاق النار عبر قنوات دبلوماسية دولية، جنبًا إلى جنب مع استعادة بغداد عافيتها النفطية والنقدية، وصمود عمّان الأمني والاقتصادي في وجه العواصف المحيطة، كلها مؤشرات تدل على أن الإقليم يبحث عن مخرج تاريخي من دوامة الحروب، متوجهًا ببطء ولكن بثبات نحو تكريس السيادة الوطنية وتفعيل ممرات التجارة البينية، باعتبارها الخيار الاستراتيجي الوحيد لضمان مستقبل الأجيال القادمة وتحقيق الازدهار المستدام.