مجدي طنطاوي يكتب أبيع نفسي لأول مشترٍ أتى

 0
مجدي طنطاوي يكتب أبيع نفسي لأول مشترٍ أتى

لم أعد أعرف إن كنت أعيش في مجتمع أصابته الهزيمة النفسية أم أنني أنا الذي استسلمت مبكرا ورفعت الراية البيضاء دون أن يخوض أحد معي معركة أحيانا أشعر أنني أريد أن أقف في ميدان عام وأرفع لافتة مكتوبا عليها أبيع نفسي لأول مشترٍ يأتي والسعر قابل للتفاوض ولا داعي لمعاينة البضاعة فقد استهلكتها الخيبات بما يكفي لا تسألوني عن المبادئ ولا عن الأحلام ولا عن الكرامة فهذه أشياء كانت لدينا ذات يوم ثم اكتشفنا أنها لا تدخل في حسابات السوق ولا تصلح ضمانا للحصول على وظيفة أو مكانة أو حتى ابتسامة صادقة صرنا نعيش زمنا غريبا لا ينهزم فيه الإنسان لأنه ضعيف بالضرورة بل لأنه تعب من مقاومة ما لا يتوقف عن سحقه أصبحنا نتقن فن التراجع ونبرر الخوف بالحكمة ونطلق على الصمت اسم التعقل وعلى العجز اسم الواقعية وعلى التنازل عن الحقوق اسم المرونة حتى أحلامنا صارت تخجل من الظهور أمامنا كان الإنسان قديما يحلم بأن يغير العالم واليوم يحلم فقط بأن يمر يومه دون أن يتلقى صفعة جديدة من الواقع صرنا نبحث عن مشتر لأفكارنا قبل أن نبحث عن الحقيقة ونفتش عن رضا الآخرين قبل أن نسأل أنفسنا إن كنا راضين عما أصبحنا عليه والأكثر سخرية أننا نرفع شعارات القوة بينما نرتجف من كلمة ونعلن التمسك بالمبادئ بينما نساوم عليها عند أول اختبار ونتحدث عن الحرية ثم نخاف من التعبير عن رأينا حتى لا نخسر مقعدا أو مصلحة أو صداقة عابرة يا لها من تجارة خاسرة! نبيع قناعاتنا بالتقسيط ونبيع كرامتنا بالجملة ثم نعود إلى بيوتنا لنتحدث عن زمن الرجال والمواقف العظيمة لكن السؤال الذي يوجع أكثر من كل هذه السخرية هل الهزيمة في المجتمع أم أنها تسللت إلى داخلنا حتى أصبحنا نرى الاستسلام أمرا طبيعيا؟ هل فقدنا القدرة على المقاومة أم أننا فقدنا الإيمان بأن المقاومة تستحق العناء؟ ربما لا أريد حقا أن أبيع نفسي لأحد وربما كتبت هذه العبارة لأنني أريد أن أصرخ في وجه عالم أصبح فيه التنازل أسهل من المواجهة والبحث عن السلامة أهم من البحث عن الحقيقة إنها ليست دعوة للبيع بل إعلان إفلاس ساخر لسوق القيم حين يصبح الإنسان مضطرا إلى عرض نفسه في مزاد الخيبات ومع ذلك سأترك لافتة البيع معلقة قليلا لعل مشترٍ يأتي فيشتري مني هذا اليأس ويتركني أستعيد نفسي فأنا لا أريد ثمنا لنفسي بقدر ما أريد أن أستردها فأخطر أنواع الهزيمة ليست أن تخسر معركة مع الآخرين بل أن تستيقظ ذات صباح فتكتشف أنك لم تعد تؤمن بنفسك وأنك أصبحت تبحث عمن يشتريك بعدما عجزت عن شراء حريتك من قبضة اليأس