واشنطن وطهران… المفاوضات أصعب من الحرب؟
وحدة الدراسات السياسية- مركز العرب للأبحاث والدراسات
حين جلست الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات في سويسرا، بوساطة باكستانية قطرية، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه انتقال مفاجئ من المواجهة العسكرية إلى الحوار السياسي. غير أن الأيام الأولى من المفاوضات أظهرت أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز وقفًا للتصعيد وفتح قناة تفاوض، بينما بقيت القضايا التي فجّرت الأزمة معلقة تنتظر اختبارات أكثر صعوبة.
المذكرة المؤقتة التي انطلقت على أساسها المفاوضات نجحت في وقف العمليات العسكرية ووضعت إطارًا زمنيًا يمتد ستين يومًا -قابلًا للتمديد- للتوصل إلى اتفاق نهائي، لكنها لم تعالج جذور الخلاف، ولم تحسم الملفات التي راكمت عقودًا من الصراع وانعدام الثقة بين الطرفين. ولهذا يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تمثل هذه المفاوضات بداية مسار حقيقي نحو تسوية تاريخية، أم أنها مجرد هدنة تتيح لكل طرف إعادة ترتيب أوراقه استعدادًا لجولة جديدة من الصراع؟
ولا يتعلق هذا السؤال بالعلاقة الأمريكية الإيرانية وحدها؛ فما يجري يتجاوز حدود الخلاف الثنائي إلى شبكة واسعة من المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية. فكل تقدم أو تعثر على طاولة التفاوض ينعكس مباشرة على أمن الخليج، ومستقبل لبنان والعراق وسوريا واليمن، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وأسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، بل وعلى حسابات القوى الكبرى المنخرطة في الشرق الأوسط.
ومن هنا تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى مفترق طرق تاريخي؛ إذ يمكن أن تؤسس، إذا نجحت، لمرحلة مختلفة من العلاقات الإقليمية، كما قد تتحول، إذا تعثرت، إلى استراحة قصيرة تسبق عودة التوتر بأشكال أكثر تعقيدًا.
لكن التجارب السابقة تدعو إلى قدر كبير من الحذر؛ فالاتفاق الدائم يعتمد على قدرة كل طرف على تقديم تنازلات تمس ملفات ترتبط مباشرة بأمنه القومي، ورؤيته لدوره الإقليمي، وتوازناته الداخلية. والواقع أن الأيام الأولى من المفاوضات أكدت أن الهوة بين الجانبين لا تزال واسعة. فالخطاب السياسي لم يشهد تحولًا جوهريًا، والقضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والعقوبات، لا تزال مؤجلة إلى جولات تفاوض لاحقة.
- حقول ألغام تحيط بطاولة التفاوض
قد يبدو المشهد من الخارج وكأن الولايات المتحدة وإيران هما اللاعبان الوحيدان على طاولة التفاوض، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالمفاوضات لا تُدار داخل القاعة وحدها، بل تحيط بها شبكة واسعة من الأطراف الإقليمية والدولية، لكل منها حساباته الخاصة وقدرته على التأثير في مسارها، سواء بالدفع نحو التسوية أو بعرقلتها.
وفي مقدمة هذه الأطراف تأتي إسرائيل، التي تنظر إلى الملف الإيراني بوصفه قضية أمن قومي لا تحتمل التسويات الناقصة. فداخل المؤسستين السياسية والعسكرية في تل أبيب اتجاهات ترى أن الضغوط التي تعرضت لها إيران لم تصل بعد إلى الحد الذي يضمن تحييد قدراتها الاستراتيجية على المدى الطويل، وتخشى أن يمنحها أي اتفاق فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية تحت مظلة دبلوماسية.
وفي المقابل، لا تبدو الساحة الإيرانية أكثر تجانسًا. فمراكز صنع القرار لا تقتصر على الحكومة أو الفريق المفاوض، بل تتداخل فيها مؤسسات الدولة، والحرس الثوري، والمرشد، وتيارات سياسية وعقائدية ترى أن الصراع مع الولايات المتحدة جزء من هوية النظام نفسه. ولذلك فإن أي تفاهم خارجي سيظل مرهونًا بقدرته على الصمود أمام حسابات الداخل الإيراني، بقدر ما يعتمد على نتائج التفاوض مع واشنطن.
وهنا تبرز حقيقة كثيرًا ما يجري إغفالها؛ فالمفاوضات ليست مواجهة بين دولتين فقط، بل بين سقوف تفاوضية مختلفة داخل كل دولة. فالإدارة الأمريكية تفاوض وهي تدرك أن الكونجرس، والحلفاء الإقليميين، والمؤسسات الأمنية، جميعها تراقب حدود ما يمكن تقديمه من تنازلات. وفي المقابل، يتحرك الوفد الإيراني داخل هامش تحدده اعتبارات داخلية معقدة، تجعل أي تنازل جوهري عرضة لاتهامات تمس ثوابت النظام وأدوات ردعه.
- لبنان.. العقدة الأكثر هشاشة
إذا كان البرنامج النووي يمثل العقدة الاستراتيجية الكبرى في المفاوضات، فإن لبنان يظل العقدة الأمنية الأكثر هشاشة؛ فالجبهة اللبنانية لا تخضع بالكامل لحسابات واشنطن وطهران، بل تتقاطع فيها مصالح إسرائيل، وحزب الله، والدولة اللبنانية، إلى جانب حسابات إقليمية ودولية تجعل أي تفاهم ثنائي عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.
وتكمن خطورة هذا الملف في أن أي حادث أمني محدود، أو خطأ في التقدير، أو عملية عسكرية غير محسوبة، قد ينسف أجواء التهدئة ويدفع الجميع مجددًا إلى منطق القوة. كما أن وجود قوى داخل الجانبين ترى في استمرار المواجهة خيارًا استراتيجيًا يجعل احتمالات التصعيد قائمة، حتى مع استمرار المفاوضات.
ولا تخفي إسرائيل رفضها لأي ترتيبات تسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته العسكرية، بينما يتمسك الحزب بسلاحه بوصفه جزءًا من معادلة الردع التي نشأت خلال العقود الماضية. وبين هذين الموقفين المتناقضين، يصبح تثبيت تهدئة طويلة الأمد مهمة شديدة التعقيد.
ولا يقتصر الأمر على لبنان وحده؛ فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، والحوثيون في اليمن، يمثلون بدورهم متغيرًا يصعب عزله عن المفاوضات. ومن ثم، فإن نجاح المفاوضات لن يقاس فقط بما يرد في نصوص الاتفاق، بل بقدرتها على احتواء هذه الجبهات ومنعها من التحول إلى أدوات لإفشال المسار السياسي.
- الخليج ومضيق هرمز.. قلب المعادلة
إذا كان لبنان يمثل أكثر ساحات الاشتباك حساسية، فإن الخليج العربي ومضيق هرمز يمثلان قلب المعادلة الاقتصادية والأمنية التي تدور حولها المفاوضات.
لقد كشفت المواجهة الأخيرة أن أي اضطراب في المضيق لا يبقى شأنًا إقليميًا، بل يتحول سريعًا إلى أزمة دولية تمس أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الشحن والتأمين، والتجارة العالمية. ومن ثم، فإن أمن الملاحة لم يعد مجرد ملف جانبي، بل أصبح أحد المحاور الرئيسية لأي تفاهم مستقبلي.
غير أن التحدي بالنسبة لدول الخليج لا يقتصر على ضمان حرية الملاحة، بل يمتد إلى مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة كلها. فهي من جهة تتطلع إلى إنهاء دوامة التصعيد التي تستنزف موارد المنطقة وتعرقل التنمية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل مخاوفها من البرنامج الصاروخي الإيراني، وسياسات النفوذ الإقليمي، وشبكات الحلفاء المسلحين المنتشرين في أكثر من ساحة عربية.
ولهذا فإن نجاح أي اتفاق لن يقاس فقط بقدرته على تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، وإنما أيضًا بمدى قدرته على طمأنة دول المنطقة بأن أمنها لن يصبح ثمنًا لتفاهم ثنائي بين القوتين.
- من ساحات الصراع إلى طاولة التفاوض
تكشف هذه التعقيدات أن المفاوضات الحالية لا تبدأ من فراغ، بل تنطلق من شبكة متداخلة من الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي يصعب فصل بعضها عن بعض. ولهذا جاءت مذكرة التفاهم المؤقتة محاولة لوضع إطار عام يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، ويفتح الباب أمام تفاوض أكثر شمولًا.
غير أن قراءة بنود المذكرة تكشف أنها لم تحسم جوهر الخلاف، بقدر ما رتبت أولوياته، ونقلت معظم القضايا الأكثر حساسية من ميدان المواجهة إلى طاولة التفاوض. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بإمكان توقيع اتفاق، وإنما بقدرة الطرفين على تنفيذ ما قد يتفقان عليه.
ومن هنا، تصبح أهمية المذكرة في أنها لا تمثل نهاية الأزمة، بل بداية اختبار سياسي وقانوني وأمني بالغ التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات الداخلية لكل طرف مع موازين القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن قراءة البنود الأربعة عشر لا ينبغي أن تقتصر على نصوصها، بل على ما تكشفه من عقبات عملية قد تجعل الاتفاق النهائي أصعب كثيرًا من الوصول إلى المذكرة نفسها.
- مذكرة التفاهم... أربعة عشر بندًا وأربع عقد رئيسية
مذكرة التفاهم التي انطلقت على أساسها المفاوضات تمثل خريطة طريق أولية. فهي لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى البرنامج النووي، والعقوبات، وأمن الملاحة، والترتيبات الأمنية، وآليات الرقابة والضمانات الدولية. وكل بند يحمل في داخله عنصرًا يدفع نحو التسوية، لكنه يتضمن في الوقت نفسه أسبابًا قد تعرقل تنفيذها. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يكن في توقيع المذكرة، بل في القدرة على تحويلها إلى اتفاق قابل للحياة.
أولًا: وقف الحرب... بين النص والواقع
تبدأ المذكرة بإعلان وقف العمليات العسكرية، والتزام الطرفين بعدم العودة إلى استخدام القوة، مع التأكيد على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه. ويبدو هذا البند، من الناحية النظرية، المدخل الطبيعي لأي عملية سياسية، لكنه يصطدم بتعقيدات ميدانية يصعب تجاوزها بمجرد التوقيع؛ فالولايات المتحدة وإيران تستطيعان الالتزام بما يخصهما مباشرة، لكن المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا؛ إذ تتداخل فيه إسرائيل، وحزب الله، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيون في اليمن، وكلها أطراف تمتلك حساباتها الخاصة، ولا تتحرك بالضرورة وفق إيقاع المفاوضات.
كما أن الحديث عن ضمان سيادة لبنان يثير أسئلة تتجاوز النصوص؛ فكيف يمكن تحقيق ذلك في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية، وفي ظل احتفاظ حزب الله بترسانة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة؟
ثانيًا: بناء الثقة... المهمة الأصعب
تتضمن المذكرة التزامات متبادلة باحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحفاظ على الوضع القائم طوال فترة التفاوض، مع منح مهلة ستين يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي.
غير أن هذه البنود تكشف أكثر مما تحل. فمفهوم "عدم التدخل" يظل محل خلاف بين الطرفين؛ إذ لا يقتصر على التدخل العسكري، بل يمتد إلى النشاط السياسي والإعلامي والاستخباراتي، ودعم الحلفاء الإقليميين، وهي أدوات ظل كل طرف يستخدمها لعقود.
أما مهلة الستين يومًا، فتبدو أقرب إلى إطار سياسي منها إلى جدول زمني واقعي؛ فالاتفاق النووي لعام 2015 احتاج سنوات من التفاوض قبل أن يرى النور، ولا تبدو الملفات المطروحة اليوم أقل تعقيدًا، بل ربما أصبحت أكثر تشابكًا بفعل التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا فإن بناء الثقة يظل العقبة الأولى أمام أي تقدم حقيقي، لأن الاتفاقات لا تُقاس بما يرد في نصوصها، بل بقدرة الأطراف على الالتزام بها في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الثقة المتبادلة.
ثالثًا: الاقتصاد والعقوبات... الثمن الذي ينتظره الجميع
يمثل الجانب الاقتصادي أحد أهم محاور المذكرة؛ إذ تتناول بنودها رفع القيود البحرية، واستعادة حرية الملاحة، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والسماح بعودة النفط الإيراني إلى الأسواق، وصولًا إلى رفع العقوبات، وطرح خطة لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني.
لكن الانتقال من النصوص إلى التنفيذ يبدو أكثر تعقيدًا. فالعقوبات ليست قرارًا أمريكيًا واحدًا يمكن إلغاؤه بسهولة؛ إذ تتداخل فيها تشريعات أمريكية، وقرارات دولية، وإجراءات مرتبطة بالبرنامج النووي، والصواريخ، وملفات الإرهاب وحقوق الإنسان، وهو ما يجعل رفعها عملية قانونية وسياسية معقدة قد تستغرق وقتًا أطول كثيرًا من فترة التفاوض المحددة.
كما أن عودة الاقتصاد الإيراني إلى الأسواق العالمية لا تعتمد على القرار السياسي وحده، بل ترتبط أيضًا بثقة الشركات الدولية، والبنوك، وشركات التأمين والشحن، في استقرار الاتفاق واستمراره، ومن ثم، فإن المكاسب الاقتصادية التي تتطلع إليها طهران ستظل مرتبطة بمدى قدرة الاتفاق على الصمود، لا بمجرد توقيعه.
رابعًا: هنا تبدأ العقدة الحقيقية... الملف النووي والضمانات
إذا كانت المحاور السابقة تتعلق بإدارة الأزمة، فإن الملف النووي يتعلق بجوهرها. فهو القضية التي تراكمت حولها العقوبات، وتشكلت بسببها التحالفات، وارتبطت بها معظم أزمات العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال العقود الماضية.
وتنص المذكرة على معالجة ملف اليورانيوم المخصب، ومستويات التخصيب، وآليات الرقابة، مع تأكيد إيران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي. غير أن المشكلة لم تكن يومًا في التصريحات، بل في وسائل التحقق منها، وفي الضمانات التي تحول دون انهيار أي اتفاق مستقبلي.
وتزداد هذه العقدة تعقيدًا لأن البرنامج النووي لم يعد بالنسبة لإيران مجرد مشروع تقني، بل تحول إلى رمز للسيادة والاستقلال، بعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الاقتصادية التي تحملها المجتمع الإيراني تحت شعار الدفاع عن "الحق النووي". ولذلك فإن أي تنازل جوهري قد يُفسَّر داخليًا باعتباره تراجعًا عن مشروع دُفعت في سبيله أثمان باهظة.
وفي المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة ولا إسرائيل مستعدتين للاكتفاء بالتعهدات السياسية، بل تطالبان بضمانات رقابية صارمة تحول دون اقتراب إيران مجددًا من العتبة النووية.
وهنا تحديدًا يبدأ الجزء الأصعب من المفاوضات؛ لأن الخلاف لم يعد يدور حول صياغة النصوص، وإنما حول مستوى الثقة، وحدود التفتيش، وآليات الرقابة، والضمانات التي تمنع أي طرف من التنصل من التزاماته مستقبلًا.
- ماذا كشفت الأيام الأولى من المفاوضات؟
تكشف هذه المحاور مجتمعة أن مذكرة التفاهم نجحت في وقف التدهور وفتح باب الحوار، لكنها لم تعالج بعد جذور الأزمة، بل رحّلت معظمها إلى طاولة التفاوض؛ ولهذا فإن نجاح الاتفاق النهائي لن يتوقف على جودة الصياغات القانونية، وإنما على استعداد كل طرف لدفع كلفة سياسية داخلية، وقبول ترتيبات أمنية وإقليمية لم يكن مستعدًا لها قبل اندلاع المواجهة الأخيرة.
بعد انقضاء الأيام الأولى من المفاوضات، يمكن القول إن المشهد أصبح أكثر وضوحًا في بعض جوانبه، وأكثر تعقيدًا في جوانب أخرى. فقد نجحت المباحثات، حتى الآن، في تثبيت حالة التهدئة ومنع الانزلاق مجددًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها لم تحقق اختراقًا ملموسًا في الملفات الجوهرية التي قامت المفاوضات أصلًا لمعالجتها.
وهذا يعني أن نجاح المرحلة الأولى كان نجاحًا في إدارة الأزمة، لا في حلها. وقد كشفت التطورات منذ انطلاق المفاوضات عن خمس حقائق رئيسية.
أولًا: التهدئة صمدت... لكنها لا تزال هشة
أثبتت الأيام الأولى أن لدى الطرفين مصلحة مشتركة في منع انهيار وقف التصعيد، وهو ما انعكس في استمرار قنوات الاتصال، وتجنب الخطوات التي قد تدفع إلى مواجهة مباشرة.
غير أن هذا الهدوء لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشرًا على اقتراب تسوية نهائية؛ فالتهدئة الحالية تبدو أقرب إلى هدنة سياسية تمنح كل طرف فرصة لاختبار نيات الطرف الآخر، وقياس حدود ما يمكن تحقيقه عبر التفاوض، أكثر من كونها تعبيرًا عن تحول استراتيجي في طبيعة العلاقة بينهما.
ولهذا يبقى استمرارها مرتبطًا بمدى قدرة المفاوضات على إنتاج تقدم ملموس، لا بمجرد استمرار الاجتماعات.
ثانيًا: الخلافات الكبرى لم تتحرك بعد
رغم استمرار الحوار، لم تظهر مؤشرات على حدوث اختراق حقيقي في القضايا الأكثر تعقيدًا؛ فالملفات المرتبطة بالبرنامج النووي، ومستويات التخصيب، والعقوبات، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، لا تزال تمثل جوهر الخلاف بين الطرفين، ولم تنتقل بعد من مرحلة عرض المواقف إلى مرحلة التسويات المتبادلة.
وهذا أمر طبيعي؛ فالمفاوضات الكبرى لا تبدأ عادةً من القضايا الأكثر حساسية، وإنما تؤجلها إلى المراحل الأخيرة بعد بناء قدر من الثقة يسمح بتقديم تنازلات متبادلة.
ثالثًا: الخطاب السياسي لم يتغير
من الملاحظ أن المفاوضات لم تُحدث، حتى الآن، تحولًا جوهريًا في الخطاب السياسي للطرفين؛ فالولايات المتحدة ما زالت تؤكد أن هدفها منع إيران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، مع السعي إلى معالجة القضايا المرتبطة بالصواريخ والنفوذ الإقليمي.
وفي المقابل، لا تزال طهران تؤكد تمسكها بحقها في التكنولوجيا النووية السلمية، وترفض أي ترتيبات ترى أنها تنتقص من سيادتها أو من عناصر قوتها الاستراتيجية.
وهذا الثبات في الخطاب يعكس حقيقة مهمة؛ فالتفاوض يجري حتى الآن داخل حدود المواقف التقليدية، ولم يصل بعد إلى مرحلة إعادة تعريف هذه المواقف.
رابعًا: سقوف التفاوض ما زالت منخفضة
ربما كان أكثر ما كشفته الأيام الأولى أن الوفدين لا يتفاوضان بحرية كاملة، بل يتحرك كل منهما داخل سقف سياسي تحدده اعتبارات الداخل قبل الخارج؛ فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي اتفاق سيخضع لرقابة دقيقة من الكونجرس، كما تضع في حساباتها مواقف الحلفاء الإقليميين، وردود فعل المؤسسات الأمنية، وما يمكن أن يترتب على أي تنازل واسع من انعكاسات سياسية داخلية.
وفي المقابل، يتحرك الوفد الإيراني في إطار توازنات معقدة بين الحكومة، والمرشد، والحرس الثوري، والمؤسسات العقائدية، وهي توازنات تجعل أي تنازل يتجاوز حدودًا معينة عرضة لاعتباره مساسًا بثوابت النظام، لا مجرد خطوة تفاوضية.
ومن هنا، فإن المفاوضات لا تدور فقط بين واشنطن وطهران، بل بين مؤسسات متعددة داخل كل منهما، وهو ما يفسر بطء التقدم، وصعوبة الانتقال من التفاهمات الأولية إلى الاتفاقات النهائية.
خامسًا: الاتفاق النهائي لا يزال بعيدًا
ربما يكون الاستنتاج الأهم أن نجاح الطرفين في تثبيت التهدئة لا يعني أنهما اقتربا بالضرورة من توقيع اتفاق شامل؛ فالملفات المطروحة تمس صميم عقيدة الأمن القومي لدى كل طرف، وتتجاوز الخلافات التقنية إلى أسئلة تتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط، ومستقبل الردع، وطبيعة النفوذ الإقليمي.
ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة لن تكون اختبارًا لقدرة الطرفين على مواصلة الحوار فحسب، بل لقدرة كل منهما على إقناع مؤسساته الداخلية بأن كلفة التسوية أصبحت أقل من كلفة استمرار الصراع.
- لماذا لا تزال الطريق إلى الاتفاق طويلة؟
تكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن المفاوضات الحالية لم تصل بعد إلى مرحلة التسويات الكبرى، ولهذا، فإن المبالغة في التفاؤل تبدو سابقة لأوانها، كما أن التسرع في إعلان فشل المفاوضات لا يستند بدوره إلى معطيات كافية. فالمسار لا يزال في بدايته، وما تحقق حتى الآن هو وقف للتدهور أكثر منه حلًا للأزمة.
ومن ثم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع هذه الهدنة السياسية الصمود حتى تتحول إلى اتفاق مستدام، أم أنها ستنتهي، كما انتهت محاولات سابقة، إلى إدارة مؤقتة للصراع دون إنهائه؟
- ما بعد الستين يومًا... لماذا تبدو التسوية أصعب من الهدنة؟
إذا كانت مذكرة التفاهم قد نجحت في وقف التصعيد وفتح باب التفاوض، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كان الطرفان قادرين على مواصلة الحوار، بل ما إذا كانا مستعدين لدفع الثمن السياسي المطلوب للوصول إلى اتفاق دائم؛ فالخلاف بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على نسبة تخصيب اليورانيوم، أو عدد أجهزة الطرد المركزي، أو توقيت رفع العقوبات. لقد أصبح خلافًا يتعلق بتوازنات القوة في الشرق الأوسط، وبطبيعة الدور الذي تريد إيران أن تؤديه في الإقليم، وبالحدود التي ترى واشنطن أنها ضرورية لمنع تحوّل هذا الدور إلى مصدر تهديد دائم لحلفائها ومصالحها.
ومن هنا، تبدو المفاوضات محاولة للبحث عن مساحة مشتركة بين مشروعين استراتيجيين متعارضين، أكثر منها محاولة لحل خلاف تقني محدود.
- لماذا يصعب على إيران تقديم التنازلات؟
خلال أكثر من أربعة عقود، لم يعد البرنامج النووي بالنسبة لإيران مشروعًا علميًا أو تقنيًا فحسب، بل تحول إلى جزء من الرواية الوطنية التي تربط بين الاستقلال السياسي والقدرة على مقاومة الضغوط الخارجية.
كما أصبح البرنامج الصاروخي، في نظر المؤسسة العسكرية الإيرانية، العمود الفقري لعقيدة الردع، في ظل إدراكها أنها لا تستطيع مجاراة التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما شبكة الحلفاء والقوى المتحالفة مع إيران في المنطقة، فلم تعد تُنظر إليها بوصفها مجرد أدوات للنفوذ، بل باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن القومي الإيراني خارج الحدود.
ولهذا، فإن أي اتفاق يطالب طهران بالتراجع المتزامن عن هذه الركائز الثلاث يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ لأنها ستكون مطالبة بإقناع الداخل بأن التنازلات التي قدمت لا تمس جوهر المشروع الذي تحمل الإيرانيون كلفته الاقتصادية والسياسية طوال سنوات طويلة.
- ولماذا اختارت واشنطن التفاوض؟
في المقابل، لا ينبغي النظر إلى العودة الأمريكية إلى طاولة المفاوضات باعتبارها تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية، بقدر ما هي إعادة تموضع فرضتها الوقائع.
فالمواجهة العسكرية، مهما بلغت شدتها، لم تحقق حسمًا سياسيًا نهائيًا، كما أن اتساع رقعة التوتر انعكس على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، وأعاد طرح السؤال التقليدي الذي واجهته إدارات أمريكية متعاقبة: كيف يمكن إنهاء الصراع بكلفة أقل من استمرار إدارته عسكريًا؟
ومن هنا، بدا التفاوض بالنسبة لواشنطن وسيلة لاحتواء الأزمة، ومنع تحولها إلى استنزاف طويل، مع الاحتفاظ بأهدافها الاستراتيجية الأساسية.
وبمعنى آخر، فإن الولايات المتحدة لم تتخل عن مطالبها، لكنها انتقلت إلى محاولة تحقيقها بأدوات السياسة، بعد أن أثبتت المواجهة العسكرية وحدها أنها غير كافية لإنتاج تسوية مستقرة.
- ولماذا قبلت طهران الجلوس مع "الشيطان الأكبر"؟
الأمر نفسه ينطبق على إيران؛ فالذهاب إلى التفاوض لا يعكس تحولًا أيديولوجيًا في نظرة النظام إلى الولايات المتحدة، ولا يعني أن الخطاب الذي ظل يصفها بـ "الشيطان الأكبر" قد تبدل.
لكن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، والعقوبات، وكلفة المواجهة، دفعت القيادة الإيرانية إلى البحث عن نافذة تخفف هذا الضغط، وتمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط الأنفاس، ولهذا، فإن قبول التفاوض لا يعني قبول إعادة صياغة المشروع الإيراني، وإنما يعكس محاولة لحماية هذا المشروع بأقل قدر ممكن من الخسائر.
- صراع بين سقوف التفاوض
وربما تكمن أكثر المفارقات أهمية في أن المفاوضات لا تجري فقط بين واشنطن وطهران، بل داخل كل منهما أيضًا؛ فالفريق الأمريكي يتحرك في ظل رقابة الكونجرس، وضغوط المؤسسات الأمنية، ومواقف الحلفاء، وحسابات السياسة الداخلية، وهو ما يضع حدودًا واضحة لأي تنازل يمكن تقديمه.
وفي المقابل، لا يمتلك الوفد الإيراني حرية مطلقة؛ إذ يعمل ضمن منظومة تتقاطع فيها صلاحيات الحكومة مع مؤسسات الدولة الأخرى، وفي مقدمتها المرشد والحرس الثوري، إلى جانب تيارات ترى أن أي مرونة زائدة قد تُفسر بوصفها تراجعًا عن ثوابت الجمهورية الإسلامية.
ومن هنا، فإن الاتفاق النهائي، حتى لو نجح المفاوضون في صياغته، سيظل بحاجة إلى اجتياز اختبار أكثر صعوبة، يتمثل في قدرته على الصمود أمام هذه التوازنات الداخلية.
ولهذا، فإن بطء المفاوضات لا يعكس بالضرورة تعنتًا تفاوضيًا، بقدر ما يعكس ضيق المساحة التي يستطيع كل وفد أن يتحرك داخلها دون أن يصطدم بمؤسسات دولته.
- هدنة الضرورة... أم بداية تسوية؟
لهذا كله، تبدو القراءة الأكثر واقعية أن الطرفين لا يتفاوضان لأنهما تجاوزا خلافاتهما، بل لأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت، في هذه المرحلة، أعلى من كلفة الجلوس إلى الطاولة.
غير أن هذا لا يعني أن الخلافات الأساسية قد تراجعت، أو أن البيئة التي أنتجتها قد تغيرت.
ولهذا، فإن الهدنة الحالية قد تكون مقدمة لتسوية تاريخية إذا نجحت المفاوضات في معالجة جذور الصراع، لكنها قد تكون أيضًا مجرد مرحلة انتقالية يعيد خلالها كل طرف ترتيب أولوياته واستعادة قدراته، قبل أن يعود التنافس بينهما بأدوات مختلفة.
- الأمن القومي العربي... الدرس الذي لا ينبغي تجاهله
وبعيدًا عن مصير المفاوضات نفسها، ربما يكون الدرس الأكثر أهمية بالنسبة للعالم العربي هو ما كشفته المواجهة الأخيرة من حقائق تتجاوز حدود الأزمة الأمريكية الإيرانية.
فقد أثبتت التطورات أن الدول العربية كانت الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع، رغم أنها لم تكن صاحبة قراره. وتحولت الممرات البحرية العربية، ومنشآت الطاقة، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، إلى جزء من معادلة الحرب، بينما دفعت اقتصادات المنطقة جانبًا مهمًا من كلفة مواجهة لم تكن طرفًا مباشرًا فيها.
كما كشفت الأزمة أن أمن الخليج لم يعد قضية خليجية فحسب، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في منظومة الأمن الاقتصادي العالمي. ومن ثم، فإن أي تفاهم مستقبلي بين واشنطن وطهران لن تكون له قيمة حقيقية بالنسبة للدول العربية إذا لم ينعكس على استقرار الإقليم واحترام سيادة دوله، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحات لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية.
ولهذا، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة قراءة مفهوم الأمن القومي العربي في ضوء المتغيرات الجديدة. فالتحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية؛ بل أصبحت تشمل أمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي، وهي جميعًا ملفات باتت ترتبط بصورة مباشرة بأمن الدولة الوطنية.
كما أن العلاقات العربية مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران وتركيا وإسرائيل، تحتاج إلى إدارة تقوم على توازن المصالح والاحترام المتبادل، لا على ردود الفعل أو الاصطفافات المؤقتة التي تفرضها الأزمات؛ فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه التفاهمات الثنائية وحدها، وإنما تصنعه منظومة إقليمية يشعر جميع أطرافها بأن أمنهم ومصالحهم جزء من أي معادلة جديدة، لا مجرد نتائج تترتب عليها.
- ما بعد المفاوضات... إلى أين تتجه المنطقة؟
يصعب، في هذه المرحلة، الجزم بمآلات المفاوضات الأمريكية الإيرانية. فنجاحها ليس مستحيلًا، كما أن تعثرها لا يبدو احتمالًا بعيدًا. غير أن ما تسمح به الوقائع حتى الآن هو القول إن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال أطول وأكثر تعقيدًا مما توحي به أجواء التهدئة؛ فالخلافات الجوهرية ما زالت قائمة، والملفات المطروحة تمس صميم مفاهيم الأمن القومي لدى الطرفين، كما أن مراكز القرار داخل كل منهما لا تتحرك جميعها بالوتيرة نفسها، وهو ما يجعل أي تقدم تفاوضي عرضة لاختبارات سياسية وأمنية متلاحقة.
ولهذا، فإن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الاجتماعات، ولا بطول البيانات المشتركة، ولا حتى بتوقيع اتفاق جديد، وإنما بقدرة هذا الاتفاق على الصمود أمام اختبارات التنفيذ، وإنتاج منظومة مصالح تجعل العودة إلى المواجهة خيارًا أكثر كلفة من المحافظة على السلام.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل المنطقة معلقة بين احتمالين: أن تنجح المفاوضات في التحول إلى تسوية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط على أسس أكثر استقرارًا، أو أن تبقى مجرد هدنة مؤقتة تُدار خلالها الأزمة، من دون أن تُحل أسبابها العميقة.
لكن، أيا تكن نتيجة المفاوضات، فإن الرسالة الأوضح التي فرضتها هذه الأزمة هي أن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يبقى رهينة لتفاهمات الآخرين وحدها. فالدول التي تكتفي بانتظار ما يقرره الآخرون تظل، مهما امتلكت من الموارد، أسيرة حساباتهم وتحولاتهم.
أما الدول التي تبني رؤيتها الاستراتيجية انطلاقًا من مصالحها، وتطور أدواتها السياسية والاقتصادية والدفاعية، فهي وحدها القادرة على تحويل التحولات الإقليمية والدولية إلى فرص، بدل أن تبقى مجرد ساحات تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم العربي اليوم لا يقتصر على متابعة مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل يتمثل في امتلاك مشروع عربي أكثر استقلالًا وفاعلية، يجعل الأمن القومي العربي جزءًا من صناعة المستقبل، لا مجرد رد فعل على ما يصنعه الآخرون.