اشتيوي الجدي يكتب.. جمال عبد الناصر وثورة يوليو… مشروع نهضة تجاوز حدود مصر

 0
اشتيوي الجدي يكتب.. جمال عبد الناصر وثورة يوليو… مشروع نهضة تجاوز حدود مصر

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 مجرد تغيير في بنية الحكم المصري، بل كانت نقطة تحول كبرى في التاريخين العربي والإفريقي، إذ أطلقت مشروعًا سياسيًا وتنمويًا حمل آمال ملايين الناس في الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية. وفي قلب هذا المشروع برز اسم الرئيس جمال عبد الناصر، الذي ارتبطت مسيرته بقيادة واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في القرن العشرين.

على الصعيد المصري، أرست الثورة أسس الدولة الوطنية الحديثة، وسعت إلى إنهاء ما تبقى من النفوذ الاستعماري وترسيخ استقلال القرار الوطني. وانطلقت في ظلها برامج للإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم، وبناء قاعدة صناعية، وتنفيذ مشروعات قومية كبرى، في مقدمتها السد العالي، الذي غدا رمزًا لقدرة الدولة على توظيف مواردها لخدمة التنمية. كما تميزت تلك المرحلة بتوسيع مظلة الخدمات الاجتماعية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وفتح آفاق أوسع أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

أما عربيًا، فقد تحولت مصر في عهد جمال عبد الناصر إلى مركز رئيسي للحركة القومية العربية. ورفع عبد الناصر شعار التضامن العربي، داعيًا إلى تجاوز الانقسامات وبناء موقف عربي موحد قادر على حماية المصالح المشتركة وصون الاستقلال. ورغم أن مشروع الوحدة العربية واجه تحديات وعقبات حالت دون تحقيق أهدافه كاملة، فإنه ترك أثرًا عميقًا في الوعي السياسي العربي، ورسخ فكرة أن وحدة الصف تمثل أحد أهم مقومات القوة في مواجهة التحديات.

وفي مقدمة القضايا التي تبناها عبد الناصر جاءت القضية الفلسطينية، التي اعتبرها القضية المركزية للعرب. وقد دافع عنها سياسيًا ودبلوماسيًا، مؤكدًا حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، ومعتبرًا أن الدفاع عن فلسطين جزء لا يتجزأ من الدفاع عن الأمن القومي العربي.

ولم يتوقف تأثير ثورة يوليو عند الحدود العربية، بل امتد إلى القارة الإفريقية، حيث أصبحت القاهرة سندًا سياسيًا ومعنويًا لعدد من حركات التحرر الوطني التي كانت تكافح لإنهاء الاستعمار. وأسهمت مصر في دعم استقلال العديد من الدول الإفريقية، ورسخت علاقات تعاون مع قادة التحرر في القارة، لتصبح أحد أبرز الأصوات الداعية إلى إنهاء الاستعمار وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها.

وعلى المستوى الدولي، كان جمال عبد الناصر أحد أبرز رموز العالم النامي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأسهم، إلى جانب عدد من القادة الدوليين، في ترسيخ فكرة عدم الانحياز، التي هدفت إلى تمكين الدول المستقلة حديثًا من انتهاج سياسات خارجية مستقلة بعيدًا عن الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي. كما شكّل تأميم قناة السويس عام 1956 محطة فارقة في تاريخ مقاومة الهيمنة الأجنبية، وأصبح رمزًا لإرادة الشعوب في الدفاع عن سيادتها وحقوقها.

لقد رحل جمال عبد الناصر، لكن حضوره ظل راسخًا في الذاكرة العربية والإفريقية، بوصفه قائدًا ارتبط اسمه بالدفاع عن الاستقلال الوطني، ومقاومة الاستعمار، ودعم حركات التحرر، والسعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والوحدة العربية والافريقية. فيما ظلت ثورة يوليو إحدى المحطات المفصلية التي أعادت رسم ملامح مصر ومحيطها العربي والإفريقي لعقود طويلة.