مجدى طنطاوى فى كلمته أمام ندوة مدرستك حياتك : *ما فائدة أن نحتفل بمولد النبي ونحن لا نتبعه؟*
*«السنة النبوية في الآيات القرآنية» لعلي محمد الشرفاء* *الحمادي يفتح الطريق من الاحتفال إلى الاقتداء*
اكد مجدى طنطاوى مدير عام مؤسسة رسالة السلام العالمية فى كلمته بندوة مدرستك حياة المقامة حاليا فى الاسكندرية انه في كل عام يعود الحديث عن المولد النبوي فتعلو الأصوات بالمدائح وتنتشر مظاهر الاحتفال وتقام المجالس وتضاء الشوارع وتتناقل الكلمات عن محبة الرسول الكريم لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا غائبا خلف كل هذه المظاهر
ما فائدة أن نحتفل بمولد النبي إذا كنا لا نتبع أخلاقه ولا نقتدي بسلوكه ولا نفهم حقيقة رسالته ولا نجعل القرآن الذي بلغه مرجعا لحياتنا؟
إن محبة الرسول ليست مناسبة في التقويم ولا كلمات تقال في ليلة من الليالي وإنما هي موقف من الحياة وسلوك في المجتمع وضمير يتحرك بالرحمة والعدل والصدق والعفو والإحسان
ومن هنا تأتي أهمية كتاب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي «السنة النبوية في الآيات القرآنية» باعتباره محاولة جادة لإعادة النظر في معنى السنة النبوية والانتقال بها من عالم الروايات المتنازعة إلى عالم القرآن الذي يصف الرسول ويقدم منهجه ويحدد القيم التي جسدها في حياته
فالكتاب لا يطرح السؤال التقليدي كيف نحتفل بالنبي وإنما يطرح السؤال الأعمق
كيف نتبع النبي؟
وهنا يتحول المولد من مناسبة احتفالية إلى مناسبة لمراجعة النفس
هل نحن صادقون كما كان الرسول أم نكذب؟
هل نعدل كما أمر القرآن أم نظلم؟
هل نرحم الضعيف والفقير والمحتاج أم نقسو عليهم؟
هل نعفو عمن أساء إلينا أم نبحث عن الانتقام؟
هل نحفظ حقوق الناس وأموالهم وكرامتهم أم نعتدي عليها؟
وهل نقرأ القرآن باعتباره كتاب هداية ومنهاج حياة أم نتركه مهجورا ثم نزعم أننا نحب رسول الله؟
لقد وصف الله سبحانه وتعالى رسوله بقوله
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
القلم 4
وهذه الآية وحدها تفتح بابا واسعا لفهم السنة النبوية فالقرآن لم يقدم الرسول للناس باعتباره مجموعة من الأقوال المنقولة وإنما قدمه باعتباره نموذجا أخلاقيا عظيما وقدوة عملية للإنسان
وقال سبحانه
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
الأحزاب 21
والأسوة ليست صورة تعلق على الجدران ولا مديحا يقال في المناسبات
الأسوة اقتداء
والاقتداء عمل
والعمل هو أن يتحول ما جاء به الرسول من قيم قرآنية إلى سلوك يومي يراه الناس في حياتنا
فالرسول الذي أمره الله بالرحمة لا تكون محبته في القلوب حقيقية إذا تحولنا إلى قساة
والرسول الذي أقام حياته على العدل لا تكون سنته حاضرة في مجتمع يستبيح فيه القوي حق الضعيف
والرسول الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن تكون سنته خطاب كراهية أو تحريضا على العنف أو احتقارا للإنسان بسبب دينه أو لونه أو قوميته
وقد حدد القرآن الغاية الكبرى من بعثة الرسول بقوله سبحانه
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
الأنبياء 107
فإذا كانت الرسالة رحمة للعالمين فإن الاقتداء بالرسول ينبغي أن يجعل الإنسان مصدرا للرحمة لا مصدرا للخوف والكراهية
وإذا كان الرسول أسوة حسنة فإن الاحتفال الحقيقي به لا يكون فقط بتذكر يوم مولده وإنما بأن نعيد مولاد أخلاقه في حياتنا
أن يولد العدل في معاملتنا
وأن تولد الرحمة في بيوتنا
وأن يولد الصدق في تجارتنا
وأن تولد الأمانة في أعمالنا
وأن يولد العفو في خصوماتنا
وأن تولد حرمة الإنسان في ضمائرنا
وهنا تبرز الفكرة المركزية التي تناولها المفكر العربي على الشرفاء الحمادي في كتابه وهي أن السنة النبوية الحقيقية ينبغي أن تبحث في السلوك الذي جسد به الرسول تعاليم القرآن لا في تحويل الدين إلى بحر من الروايات المتعارضة التي قد تضع الإنسان أمام صور مختلفة ومتضاربة عن النبي
فالقرآن نفسه يوجه الرسول إلى التمسك بما أوحي إليه
﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾
الزخرف 43 ـ 44
ويقول سبحانه
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
الإسراء 9
فكيف نطلب الهداية ثم نترك الكتاب الذي وصفه الله بأنه يهدي للتي هي أقوم؟
وكيف نزعم اتباع الرسول ثم نهجر القرآن الذي كان الرسول مأمورا بتبليغه؟
وهنا يأتي التحذير القرآني شديدا
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
الفرقان 30
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة أن يتحول حب الرسول إلى طقس منفصل عن رسالته وأن يتحول القرآن إلى كتاب نتبرك به دون أن نجعله ميزانا للسلوك وأن يتحول الاحتفال إلى بديل عن الاقتداء
فالرسول لم يأت ليصنع أمة من المادحين وإنما جاء ليبلغ رسالة الله ويقيم نموذجا إنسانيا تتحول فيه القيم إلى واقع
وقد قال الله سبحانه
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
آل عمران 31
تأملوا كلمة فاتبعوني
لم يقل سبحانه احتفلوا بي
ولم يقل أكثروا من المدائح
وإنما قال فاتبعوني
والاتباع فعل لا شعار
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه في ذكرى المولد
هل نحن أتباع للرسول أم مجرد محتفلين به؟
إن كان اتباعنا له حقيقيا فلابد أن يظهر ذلك في أخلاقنا
فالرسول الذي عاش بالصدق لا يتبعه كاذب
والرسول الذي دعا إلى العدل لا يتبعه ظالم
والرسول الذي حمل الرحمة لا يتبعه من يجعل الدين وسيلة لإرهاب الناس
والرسول الذي جاء بالهداية لا يتبعه من يجعل الدين ساحة للصراع والكراهية
ومن هنا فإن كتاب «السنة النبوية في الآيات القرآنية» يفتح بابا مهما للنقاش حول العلاقة بين القرآن والسنة وحول ضرورة استعادة الصورة القرآنية للرسول باعتباره القدوة العملية التي جسدت قيم الوحي في الواقع
والقرآن يرسم لنا بوضوح منظومة الأخلاق التي ينبغي أن تتحول إلى حياة
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
النحل 90
هذه الآية ليست للزينة في الكتب
إنها برنامج حياة
العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ورفض الفحشاء والمنكر والبغي
فإذا أردنا أن نعرف كيف كانت سنة الرسول فلننظر إلى هذه القيم وهي تتحول إلى سلوك
ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي بالمولد يمكن أن يبدأ من سؤال بسيط لكنه يهز الضمير
ماذا بقي من أخلاق محمد في حياتنا؟
إذا بقيت الرحمة فقد احتفلنا به
وإذا بقي العدل فقد احتفلنا به
وإذا بقي الصدق فقد احتفلنا به
وإذا بقيت الأمانة فقد احتفلنا به
وإذا حفظنا حقوق الإنسان فقد احتفلنا به
وإذا أوقفنا الظلم والبغي فقد احتفلنا به
أما أن تمتلئ الشوارع بالمظاهر ثم تظل القلوب ممتلئة بالكراهية والحقد والظلم فذلك احتفال بصورة الرسول لا برسالته
إن أعظم تكريم للنبي ليس أن نتحدث عنه لساعات ثم ننساه في اليوم التالي وإنما أن نجعل سيرته حاضرة في كل موقف من مواقف حياتنا
وهذا هو جوهر السؤال الذي يضعه كتاب «السنة النبوية في الآيات القرآنية» أمام القارئ
السنة حياة وليست رواية
والاقتداء فعل وليس ادعاء
ومحبة الرسول اتباع وليست احتفالا فقط
فإذا جاء المولد النبوي هذا العام فليكن فرصة للعودة إلى القرآن لا مجرد مناسبة للعودة إلى العادة
وليكن السؤال
ليس متى ولد محمد؟
وإنما
متى تولد أخلاق محمد فينا؟
وليس السؤال
كيف نحتفل برسول الله؟
بل
كيف نتبع رسول الله؟
فالقرآن يقول بوضوح
﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
ومن أراد أن يحب الرسول حقا فعليه أن يبحث عن أثر تلك المحبة في سلوكه وفي معاملته للناس وفي احترامه للعدل والرحمة والحرية والإحسان
عندها فقط يصبح المولد مناسبة لاستعادة المعنى لا تكرار المظهر
وتصبح سيرة الرسول مدرسة للأخلاق لا مجرد قصة تروى
ويصبح الاحتفال الحقيقي به هو أن نعيد إلى حياتنا شيئا من ذلك الخلق العظيم الذي شهد له به القرآن
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
وهنا تكمن قيمة الكتاب باعتباره بداية جادة لفتح ملف يحتاج إلى قراءة عميقة وهادئة
كيف نفهم السنة من خلال القرآن؟
وكيف نعيد الرسول إلى مكانه الذي رسمه له القرآن
قدوة في الأخلاق وفعل الخير والرحمة والعدل والإحسان
حتى لا يبقى المولد ذكرى تتكرر كل عام بينما تغيب عن حياتنا السيرة التي نحتفل بصاحبها
فأعظم احتفال بالرسول
أن نتبعه
وأصدق محبة له
أن نقتدي بأخلاقه
وأعمق وفاء لرسالته
أن نجعل القرآن حاضرا في حياتنا لا مهجورا خلف مظاهر الاحتفال
وهذه هي الرسالة التي يفتح بها كتاب «السنة النبوية في الآيات القرآنية» بابا واسعا أمام القارئ لإعادة اكتشاف معنى السنة النبوية باعتبارها سلوكا وأخلاقا وعملا ينسجم مع هداية القرآن
الجدير بالذكر أن الندوة تشهد حضورا حاشدا من العديد من الشخصيات والطلاب والطالبات وأولياء الأمور..