مجدي طنطاوي يكتب  

مجدي طنطاوي يكتب  مصر ليست ملزمة باحتضان من يعاديها أيها السودانى

 0
مجدي طنطاوي يكتب   

هناك حقائق في التاريخ لا يجوز أن نهرب منها وهناك دروس دفعت مصر ثمنها من أمنها واقتصادها ودماء أبنائها وهناك فارق هائل بين دولة تحترم نفسها وتعرف قيمة أرضها وشعبها ودولة تترك عواطفها تقود قراراتها حتى تصبح مصالحها مستباحة مصر ليست دولة طارئة في التاريخ وليست وطنا يحتاج إلى شهادة حسن سير وسلوك من أحد إنها دولة صنعتها الجغرافيا وصقلتها الحضارة وحمتها تضحيات المصريين عبر آلاف السنين ولذلك فإن من حق المصريين أن يسألوا بوضوح ماذا جنت بلادهم من بعض المواقف السودانية التي تتعامل مع مصر باعتبارها خصما جاهزا للاتهام وتحملها مسؤولية أزمات لم تصنعها وحدها لقد كشفت الخلافات الممتدة حول مياه النيل والحدود وحلايب وشلاتين وغيرها من الملفات أن العلاقات بين البلدين ليست محصنة بالمشاعر ولا بالشعارات وأن الحديث عن الأخوة لا يكفي حين تتصادم المصالح وتظهر حملات التشكيك والاتهام وتتحول مصر في خطاب بعض الأصوات السودانية إلى شماعة تعلق عليها الأخطاء والإخفاقات والأكثر إزعاجا أن مصر وجدت نفسها في أوقات كثيرة مطالبة بأن تتفهم ظروف الآخرين وأن تتحمل تبعات أزماتهم وأن تفتح أبوابها أمام من يبحث عن الأمان بينما يظل من حق المصريين أن يطالبوا بمعرفة حدود مسؤوليات دولتهم تجاه الجميع وأن يسألوا عن المقابل السياسي والإنساني والأمني لهذه الالتزامات لكن علينا أن نميز بين الشعب والحكومة وبين المواطن الذي يعيش بسلام ومن يشارك في التحريض أو الإساءة أو التهديد فالمحاسبة العادلة لا تقوم على الجنسية وإنما على الفعل ولا تستقيم الدولة حين تعاقب إنسانا لأنه سوداني بل حين تطبق القانون على كل من يخالفه أيا كانت جنسيته إن المطلوب اليوم ليس خطابا عاطفيا جديدا عن وحدة وادي النيل ولا مجاملات دبلوماسية تخفي الخلافات وإنما مراجعة صريحة للعلاقات المصرية السودانية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام الواضح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وصيانة الأمن القومي المصري ومن حق الدولة المصرية أن تشدد الرقابة على الإقامة والعمل وأن ترحل كل من يثبت تورطه في جرائم أو تهديدات أو نشاط غير قانوني وفقا للقانون وأن تعيد تقييم الاتفاقيات والسياسات التي لا تحقق مصلحة المصريين وأن تتعامل بالمثل مع أي إساءة رسمية أو اعتداء على حقوقها أما أن تظل مصر مطالبة بالصبر إلى ما لا نهاية بينما تتعرض مصالحها للضغط أو مواطنوها للإهانة فهذا أمر لا يقبله منطق الدول ولا تفرضه أخلاق العلاقات الدولية مصر أولا ليست شعارا للاستهلاك وإنما قاعدة للحكم على السياسات والقرارات ومن لا يحترم مصر لا يحق له أن يطالبها بامتيازات لا تمنحها قواعد القانون والاحترام المتبادل إن عبقرية المصريين ليست في ادعاء أنهم أفضل من شعوب الأرض وإنما في قدرتهم على قراءة التاريخ واستخلاص دروسه وحماية وطنهم دون أن يسمحوا للغضب بأن يتحول إلى ظلم جماعي فلتكن العلاقة مع السودان واضحة بلا أوهام وبلا شيكات مفتوحة وبلا تنازلات مجانية ولتكن كرامة مصر وأمنها ومصالح شعبها هي المعيار الأول والأخير لأي قرار.