مجدي طنطاوي يكتب قراءة في كتاب ( القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية ) للمفكر على محمد الشرفاء الحمادى

 0
مجدي طنطاوي يكتب  قراءة في كتاب  ( القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية ) للمفكر على محمد الشرفاء الحمادى

حين يقرأ الإنسان القرآن الكريم بعيدا عن رواسب التاريخ وبعيدا عن صراعات السياسة والمذاهب يكتشف حقيقة كبرى غابت عن كثير من الخطابات الدينية وهي أن القرآن لم يأت ليصنع عداوة بين أتباع الرسالات وإنما جاء ليعيد البشرية إلى أصل الرسالة الإلهية التي بدأت منذ خلق الله الإنسان وتعاقبت بها رسالات الأنبياء حتى ختمها بالقرآن الكريم
إن المتدبر لآيات القرآن يلاحظ أن الحديث عن السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام جاء في إطار من التكريم والتوقير والإجلال فالقرآن يصفه بأنه كلمة من الله وروح منه ورسول كريم ووجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويؤكد أن الله آتاه الإنجيل هدى ونورا وأيده بروح القدس وجعل دعوته رحمة لبني إسرائيل وهداية للناس

يقول سبحانه
﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾

هذه الشهادة القرآنية ليست مجاملة لأحد وليست محاولة للتقريب على حساب العقيدة وإنما هي حقيقة يقررها القرآن نفسه ولا يملك المسلم أن يؤمن بالقرآن ثم يتجاهل ما جاء فيه عن المسيح أو الإنجيل أو مريم عليها السلام
لقد ابتعد المسلمون عبر قرون طويلة عن منهج القرآن حين جعلوا كثيرا من مواقفهم تجاه المسيحية وليدة الصراعات التاريخية لا ثمرة للتدبر في كتاب الله كما ابتعد كثير من المسيحيين عن قراءة القرآن من داخله واكتفوا بما نقل إليهم عنه فبقيت بين الطرفين مسافات واسعة من سوء الفهم غذتها السياسة وأشعلتها الحروب ورسختها خطابات التعصب
والقرآن يدعو إلى طريق آخر
إنه لا يبدأ حديثه عن المسيحيين بالعداوة وإنما يذكر نماذج من أهل الإنجيل أثنى عليهم فقال سبحانه
﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾
كما يقرر القرآن قاعدة عظيمة في التعامل مع غير المسلمين فيقول

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
إنها ليست دعوة إلى مجرد التعايش بل إلى البر والبر أوسع من العدل لأنه يشمل الإحسان والرحمة وحسن المعاملة
ومن هنا فإن القرآن يضع أساسا حضاريا جديدا للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين أساسه أن الإنسان يعامل بعدله وأخلاقه لا بمجرد انتمائه
ولم يجعل القرآن الاختلاف الديني مبررا للظلم بل أمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم فقال سبحانه

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

هذه الآية وحدها كفيلة بأن تنهي كثيرا من صور التعصب التي مزقت المجتمعات لأن العدل في القرآن ليس حقا للأصدقاء فقط بل هو حق لكل إنسان
كما أن القرآن لا يدعو إلى فرض العقيدة بالقوة بل يقرر حرية الاختيار بوضوح فيقول تعالى
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

ويقول تعالى
﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

فالإيمان الحقيقي لا يولد تحت ضغط السيف ولا في ظل الإكراه وإنما يولد من الاقتناع والوعي والتدبر
إن البشرية اليوم بعد أن دفعت أثمانا باهظة بسبب الحروب والكراهية والتعصب تحتاج إلى أن تعود إلى هذا الخطاب القرآني الذي يخاطب الإنسان قبل أن يخاطب الطائفة ويخاطب الضمير قبل أن يخاطب الهوية
فالقرآن لا يريد للناس أن يكونوا نسخة واحدة وإنما يريدهم أن يتعارفوا

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

إن التعارف في المفهوم القرآني ليس مجرد معرفة الأسماء أو الأوطان بل هو معرفة الإنسان بالإنسان واحترام كرامته والتعاون معه في كل ما يحقق الخير للبشرية
ومن هنا فإن التقارب الإسلامي المسيحي ليس مشروعا سياسيا ولا تنازلا عن العقائد ولا محاولة لدمج الأديان وإنما هو عودة صادقة إلى القرآن الكريم الذي يأمر بالإيمان بجميع الرسل ويكرم المسيح وأمه مريم ويجعل العدل والرحمة والبر والإحسان أساس العلاقات الإنسانية
لقد آن الأوان أن يقرأ المسلم القرآن كما أنزله الله لا كما صاغته الصراعات التاريخية وأن يقرأ المسيحي القرآن بنفسه ليكتشف المكانة التي منحها الله للمسيح وأمه فيه
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من خطابات الكراهية بل يحتاج إلى خطاب يعيد للإنسان إنسانيته ويجعل من الدين وسيلة لإحياء الضمير لا لإشعال الصراعات
وهذه هي رسالة القرآن وهذه هي الرسالة التي ندعو إليها أن يكون الإيمان سببا للرحمة وأن يكون الاختلاف بابا للتعارف وأن يكون العدل ميزان التعامل وأن يبقى الإنسان مكرما كما أراد له خالقه
فالسلام الحقيقي لا يبدأ من موائد السياسة بل يبدأ من تصحيح الفكر ومن العودة إلى كتاب الله الذي أراد للناس أن يعيشوا إخوة في الإنسانية يتنافسون في البر والإحسان ويختلفون بأدب ويتحاورون بحكمة ويجعلون من القيم الإلهية طريقا لبناء مستقبل يسوده الأمن والعدل والسلام