من اقتحام قناة السويس إلى النجاة من الموت.. العقيد حلمي زكي يروي شهادته الكاملة عن حرب أكتوبر ولقاءً لا يُنسى مع جيهان السادات

 0
من اقتحام قناة السويس إلى النجاة من الموت.. العقيد حلمي زكي يروي شهادته الكاملة عن حرب أكتوبر ولقاءً لا يُنسى مع جيهان السادات

من اقتحام قناة السويس إلى النجاة من الموت.. العقيد حلمي زكي يروي شهادته الكاملة عن حرب أكتوبر ولقاءً لا يُنسى مع جيهان السادات

بطل أكتوبر يكشف أسرار التغلب على خط بارليف وأنابيب النابالم وحائط الصواريخ.. ويروي كيف أنقذ خمس شاحنات ذخيرة من النيران الإسرائيلية وتعرض لإصابات جعلت رفاقه يعتقدون أنه استشهد

حلمي زكي: ثلاث ساعات قبل الحرب مرت علينا كأنها ثلاثة أشهر.. والسادس من أكتوبر أعظم يوم في حياتي.. وجيهان السادات قالت لي: الشظايا اللي في جسمك دي شرف لينا كلنا

قدم العقيد حلمي زكي، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة، شهادة تاريخية وإنسانية مؤثرة عن مشاركته في ملحمة السادس من أكتوبر عام 1973، مستعيدًا تفاصيل الاستعداد للحرب، والصعوبات الهائلة التي واجهت القوات المسلحة المصرية، والحلول العسكرية والهندسية التي مهدت لاقتحام قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية.

وجاءت شهادته خلال احتفالية مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي أقيمت بمركز التعليم المدني تحت عنوان «نصر أكتوبر والعبور إلى الجمهورية الجديدة»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين للانتصار، حيث كشف عن مواقف عاشها بنفسه عندما كان ضابطًا شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، ضمن ضباط المشاة المشاركين في المعركة.

ولم تقتصر كلمة زكي على عرض المعلومات العسكرية والتاريخية، بل انتقلت إلى تفاصيل شخصية شديدة التأثير، من بينها لحظة تلقي أمر الحرب، واقتحام الساتر الترابي، ولمس رمال سيناء، وإنقاذ قافلة ذخيرة من نيران نقطة إسرائيلية حصينة بمنطقة الدفرسوار، ثم إصابته بشظايا قذائف الهاون وفقدانه الوعي، واعتقاد رفاقه أنه استشهد، قبل العثور عليه وإخلائه إلى المستشفى.

كما استعاد موقفين إنسانيين لم ينسهما طوال حياته؛ أولهما عندما قبّل المقدم محمد حسين طنطاوي رأسه أثناء إخلائه مصابًا من الجبهة، والثاني عندما زارته السيدة جيهان السادات في المستشفى، ووجهت إليه كلمات وصفها بأنها ستظل محفورة في ذاكرته حتى آخر يوم في عمره.

أولًا: فهم انتصار أكتوبر يبدأ بمقارنة ميزان القوى

استهل العقيد حلمي زكي كلمته بالتأكيد على أن إدراك عظمة الانتصار المصري يتطلب معرفة طبيعة الموقف العسكري قبل السادس من أكتوبر 1973، وإجراء مقارنة بين إمكانات القوات المسلحة المصرية وما كان متاحًا للقوات الإسرائيلية من أسلحة ومعدات.

وأوضح أن إسرائيل كانت تتمتع بتفوق كبير في بعض مجالات التسليح، وعلى رأسها القوات الجوية، حيث امتلكت طائرات حربية متطورة، من بينها الفانتوم والسكاي هوك الأمريكيتان والميراج الفرنسية.

وفي المقابل، كانت القوات الجوية المصرية تعتمد على طائرات سوفيتية الصنع، من بينها الميج 17 والسوخوي 7 في بعض المهام الهجومية، والميج 21 في مهام القتال الجوي.

وأشار إلى أن التفاوت لم يقتصر على الطيران، بل امتد إلى سلاح المدرعات، حيث كانت إسرائيل تمتلك أنواعًا متعددة من الدبابات الغربية، من بينها شيرمان وباتون، فضلًا عن قدرات متقدمة في التسليح المدفعي.

وتحدث عن الفارق في مدى بعض قطع المدفعية لدى الجانبين، موضحًا أن مدافع إسرائيلية كانت تصل، وفقًا للمقارنة التي قدمها، إلى مدى يقارب 32 كيلومترًا، بينما بلغ مدى بعض المدافع المصرية نحو 17 كيلومترًا.

وأكد أن هذه المقارنات، لو جرى الاعتماد عليها وحدها، لأظهرت حجم المخاطرة التي ينطوي عليها قرار الحرب، لكن القيادة المصرية لم تتعامل معها باعتبارها حكمًا نهائيًا باستحالة الانتصار، وإنما بحثت عن وسائل تغير ظروف المواجهة لصالح القوات المصرية.

ووصف زكي حرب أكتوبر بأنها «الحرب المعجزة»، مشيرًا إلى أن اتخاذ قرار المواجهة في ظل هذه الفوارق تطلب شجاعة سياسية وعسكرية استثنائية، إلى جانب مستوى بالغ الدقة من التخطيط والإعداد.

ثانيًا: خمس صعوبات كبرى واجهت التخطيط للعبور

استعرض العقيد حلمي زكي خمس عقبات رئيسية واجهت القوات المسلحة المصرية قبل تنفيذ عملية اقتحام قناة السويس.

تمثلت العقبة الأولى في التفوق الجوي الإسرائيلي؛ إذ كانت القيادة المصرية تستعد لعبور عشرات الآلاف من المقاتلين، قدرهم زكي في حديثه بما يتراوح بين 70 و80 ألف جندي، وكان من الضروري حمايتهم من الهجمات الجوية الإسرائيلية.

أما العقبة الثانية فكانت النقاط الحصينة التي أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة ضمن منظومة خط بارليف، والتي امتلكت تحصينات قوية وفتحات نيران تسمح باستهداف القوات أثناء العبور.

وأوضح أنه شاهد بعض هذه المواقع بعد اقتحامها، وأن شدة تحصينها دفعته إلى استخدام تعبير مبالغ فيه للدلالة على صلابتها، عندما تحدث عن صعوبة تدميرها حتى باستخدام أسلحة شديدة القوة.

وتمثلت العقبة الثالثة في الساتر الترابي الذي أقامته القوات الإسرائيلية، والذي أشار إلى أن ارتفاعه بلغ نحو 22 مترًا في بعض المواضع، وبزاوية ميل شديدة الانحدار تقترب من 70 درجة.

وأكد أهمية التمييز بين الساتر الترابي والساتر الرملي، لما لطبيعة التربة وتكوينها من تأثير في صعوبة التعامل مع هذا المانع.

أما العقبة الرابعة فكانت كيفية نقل الدبابات والعربات المدرعة والمدفعية إلى الضفة الشرقية؛ لأن اقتحام المشاة للقناة وحده لم يكن كافيًا، ما لم تتمكن الأسلحة الثقيلة من عبور المانع المائي واجتياز الساتر الترابي لدعم القوات وتأمين مواقعها.

وجاءت العقبة الخامسة في منظومة أنابيب المواد الحارقة التي أقامتها إسرائيل، والتي كان الغرض منها ضخ مواد قابلة للاشتعال إلى سطح مياه القناة وإحراقها عند بدء الهجوم المصري.

وأكد أن هذه الصعوبات الخمس جعلت مهمة العبور شديدة التعقيد، لكنها في الوقت نفسه دفعت العقل العسكري المصري إلى ابتكار حلول غير تقليدية لكل مشكلة على حدة.

ثالثًا: جمال عبد الناصر وقرار وقف إطلاق النار وحائط الصواريخ

انتقل زكي إلى الحديث عن الجهود المصرية التي سبقت حرب أكتوبر، موضحًا أن التغلب على التفوق الجوي الإسرائيلي بدأ خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

واستعاد ذكرياته خلال حرب الاستنزاف عندما كان يخدم في منطقة بورسعيد، بالقرب من أحد مواقع الدفاع الجوي التي كانت تجري أعمال إنشائها وتجهيزها.

وأوضح أن الطائرات الإسرائيلية كانت تستهدف مواقع الصواريخ المصرية أثناء أعمال البناء، مما كان يؤدي إلى تعطيل العمل وإلحاق خسائر بالمعدات والأفراد.

وأشار إلى أن إسرائيل استفادت من إمكانات الاستطلاع وجمع المعلومات في تحديد مواقع الإنشاءات واستهدافها، وهو ما جعل استكمال شبكة الدفاع الجوي المصرية مهمة بالغة الصعوبة.

وتوقف أمام موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار عام 1970، مؤكدًا أن القرار تعرض لاعتراضات سياسية وانتقادات واسعة في حينه.

لكن زكي رأى أن القرار حمل بعدًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لأنه أتاح فرصة لتعزيز منظومة الدفاع الجوي المصرية وتقليل التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية أثناء مرحلة البناء.

وأكد أن إنشاء حائط الصواريخ كان ضرورة أساسية قبل التفكير في اقتحام القناة، لأنه يوفر مظلة دفاعية لحماية القوات والجسور ومناطق العبور.

ووجه تحية تقدير إلى المشير محمد علي فهمي، قائد قوات الدفاع الجوي خلال تلك المرحلة، مشيدًا بدور رجال الدفاع الجوي في إقامة منظومة صواريخ مضادة للطائرات، أصبحت عنصرًا محوريًا في خطة العمليات.

وأضاف أن فاعلية الدفاع الجوي المصري ظهرت خلال حرب أكتوبر، مستشهدًا بروايات ومذكرات عسكرية تحدثت عن تعليمات إسرائيلية بتجنب الاقتراب من مناطق معينة قرب القناة لمسافات تصل إلى نحو 15 كيلومترًا بسبب خطورة شبكة الصواريخ المصرية.

رابعًا: سعد الدين الشاذلي والمصاطب التي واجهت النقاط الحصينة

واستعرض العقيد حلمي زكي الحلول التي وضعها المخطط العسكري المصري للتعامل مع النقاط الإسرائيلية الحصينة.

وأشاد بدور الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، مشيرًا إلى إنشاء مصاطب على الضفة الغربية في مواجهة النقاط القوية الإسرائيلية.

وأوضح أن هذه المصاطب استخدمت لتمركز الدبابات والرشاشات والأسلحة المناسبة لتوجيه النيران إلى فتحات التحصينات الإسرائيلية.

وأشار إلى أن الهدف لم يكن تدمير كل نقطة حصينة بالكامل قبل العبور، وإنما الحد من قدرتها على إطلاق النيران تجاه الجنود المصريين خلال الساعات الأولى من الاقتحام.

وأكد أن هذا الإجراء وفر إسنادًا نيرانيًا مهمًا للقوات العابرة، وأسهم في التعامل مع واحدة من أخطر المشكلات التي كانت تهدد الموجات الأولى من المقاتلين.

خامسًا: باقي زكي يوسف وفكرة فتح الساتر الترابي بالمياه

انتقل زكي إلى فكرة استخدام مضخات المياه عالية الضغط لفتح الثغرات في الساتر الترابي.

وأوضح أن القيادة المصرية كانت قد أجرت تجارب متعددة للتعامل مع الساتر، شملت وسائل التفجير والقصف الجوي والمدفعي، لكن النتائج لم تكن مناسبة من حيث كفاءة فتح الممرات وسرعة التنفيذ.

وأشار إلى أن الضابط المهندس باقي زكي يوسف طرح فكرة الاستفادة من قوة اندفاع المياه لتفتيت الساتر وإزاحة الأتربة، مستندًا إلى خبراته السابقة في الأعمال الهندسية المرتبطة بمشروع السد العالي.

وكشف العقيد حلمي زكي أن باقي زكي يوسف كان صديقًا شخصيًا له، وأنهما شاركا معًا في ندوات واحتفالات تكريم، وأنه استمع منه مباشرة إلى تفاصيل رحلة الفكرة منذ طرحها وحتى تحولها إلى وسيلة أساسية في خطة العبور.

وأوضح أن الاقتراح لاقى اهتمامًا من القيادات العسكرية، وانتقل عبر التسلسل القيادي إلى الجهات المختصة لدراسته وتجربته.

وأضاف أن إحدى المشكلات التي ظهرت تمثلت في أن المضخات المتاحة لم تكن بالقوة اللازمة لفتح الثغرات المطلوبة في الوقت المحدد، مما استدعى البحث عن مضخات أعلى قدرة.

وأشار إلى أن الجهات المختصة بحثت إمكان الحصول على المضخات المطلوبة من الخارج، ومنها معدات متاحة في ألمانيا، مع اتخاذ إجراءات سرية للحفاظ على الغرض العسكري الحقيقي من استيرادها.

وأكد أن المعدات جرى نقلها وتجهيزها وإخفاؤها في مواقع متقدمة على الجبهة، استعدادًا لاستخدامها عند بدء العمليات.

واعتبر أن هذا الحل الهندسي كان نموذجًا لعبقرية الابتكار المصري، إذ تحولت مياه قناة السويس نفسها من مانع أمام القوات إلى وسيلة للتغلب على أحد أخطر الموانع التي أقامتها إسرائيل.

سادسًا: تعطيل أنابيب النابالم قبل الحرب بيوم واحد

توقف العقيد حلمي زكي أمام الخطر الذي كانت تمثله أنابيب المواد الحارقة الموجودة في بعض النقاط الإسرائيلية الحصينة.

وأوضح أن القوات المصرية كانت تلاحظ من حين إلى آخر تجارب تشغيل هذه المنظومة، حيث تظهر المادة القابلة للاشتعال على سطح مياه القناة.

وأشار إلى أن المخططين المصريين بحثوا عن وسيلة لتعطيل الأنابيب، وجرى العمل على إعداد مادة خاصة تصلح لسد فتحاتها تحت المياه.

وأكد أن الصعوبة لم تكن في كيفية سد الأنابيب وحدها، وإنما في تحديد موعد العملية؛ لأن تنفيذها مبكرًا كان قد يسمح للقوات الإسرائيلية باكتشاف الانسداد وإصلاحه قبل الحرب.

واستعاد زكي موقفًا شخصيًا عاشه في الخامس من أكتوبر 1973، عندما شاهد اثنين من رجال الضفادع البشرية ينفذان مهمة سرية في القطاع الذي كان يتمركز فيه.

وأوضح أن المهمة استغرقت نحو أربعين دقيقة، ظل خلالها يتابع الموقف بقلق شديد، مدركًا أن نجاحها يرتبط بسلامة المقاتلين الذين سيقتحمون القناة.

وأضاف أنه بعد عودة الرجلين، أشار إليه أحدهما بيده وقال عبارة ظلت محفورة في ذاكرته:

«هتعدوا في أمان».

وأكد أن هذه الكلمات الثلاث تركت أثرًا بالغًا في نفسه، لأنه أدرك منها أن خطرًا شديدًا كان يهدد المقاتلين قد جرى التعامل معه.

وأشار إلى أنه احتفظ بتفاصيل المهمة لنفسه في ذلك الوقت، حفاظًا على السرية العسكرية.

سابعًا: الخداع الاستراتيجي.. السلاح الذي عوّض التفوق الإسرائيلي

أكد العقيد حلمي زكي أن التغلب على العقبات الهندسية والعسكرية لم يكن كافيًا لتحقيق النصر، ما لم تنجح مصر في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية.

وأوضح أن الخداع الاستراتيجي كان الوسيلة الرئيسية لمنع إسرائيل من إدراك حقيقة الاستعدادات المصرية وتوقيت بدء العمليات.

وأشار إلى أن الخطة لم تقتصر على التحركات العسكرية، وإنما امتدت إلى المجالات السياسية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية، فضلًا عن إجراءات أخرى تناولها في شهادته.

وشدد على أن نجاح هذه المنظومة استلزم تنسيقًا بالغ الدقة، وسرية مشددة في تنفيذ التحركات والتجهيزات وإخفاء النوايا القتالية الحقيقية.

الخداع الصحي وتجهيز المستشفيات

وأوضح زكي أن خطة الخداع شملت ما وصفه بالمجال الصحي، حيث جرى تقديم أعمال تجهيز بعض المستشفيات على أنها إجراءات تطهير لمواجهة مخاطر صحية أو تلوث ميكروبي.

وأشار إلى مستشفيات في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، مؤكدًا أن إعلان أعمال التطهير في بعض المنشآت، وليس جميعها، جعل الإجراءات تبدو أكثر اعتيادية.

وأضاف أن مشاهد أعمال الرش والتعقيم كانت جزءًا من الصورة الظاهرة أمام المراقبين، بينما كانت الاستعدادات الطبية ضرورية لاستقبال مصابي العمليات العسكرية.

الخداع الديني والإعلان عن عمرة رمضان

وتطرق إلى الإعلان عن إجراءات تتعلق برحلات عمرة رمضان، مشيرًا إلى أن الأمر لم يكن مجرد إعلان شفهي، وإنما صاحبه إعداد استمارات وترتيبات تنظيمية.

وأوضح أن هذه الإجراءات عززت الانطباع بأن الحياة تسير بصورة طبيعية، وأن القوات لا تستعد لبدء حرب واسعة خلال أيام.

وأكد أن مثل هذه التفاصيل كانت جزءًا من خطة متكاملة تستهدف التأثير في تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

المناورات وتسريح بعض القوات

وأشار زكي إلى أن القوات المسلحة نفذت مشروعات ومناورات تدريبية قبل الحرب، استُدعي للمشاركة فيها عدد من الجنود والضباط.

وأوضح أنه مع انتهاء تلك المشروعات، جرى تسريح جزء من العناصر المستدعاة، بينما بقيت عناصر أخرى ذات تخصصات قتالية مهمة، إلى جانب الإبقاء على بعض الأسلحة والمعدات في مواقع متقدمة.

وأكد أن هذا الأسلوب ساعد على إخفاء حقيقة الاستعداد للحرب تحت غطاء نشاط تدريبي مألوف.

ثامنًا: العبقرية في اختيار أكتوبر ويوم الغفران والساعة الثانية ظهرًا

خصص العقيد حلمي زكي جزءًا مهمًا من شهادته للحديث عن اختيار موعد بدء الحرب، مشيدًا بجهود الضباط المسؤولين عن الدراسات والتخطيط، ومن بينهم العقيد أركان حرب صلاح فهمي نحلة.

وأوضح أن اختيار شهر أكتوبر جاء بعد دراسة الظروف المناخية المناسبة للعمليات، ومنها اعتدال درجات الحرارة نسبيًا مقارنة بفترات الصيف.

كما أشار إلى أن اختيار يوم السادس من أكتوبر ارتبط بتزامنه مع يوم الغفران اليهودي، فضلًا عن موافقته يوم السبت، الذي كانت القوات المصرية تلاحظ خلاله هدوءًا نسبيًا في بعض الأنشطة الإسرائيلية.

وأكد أن هذا التوقيت كان عنصرًا إضافيًا ضمن حسابات المفاجأة.

أما اختيار الساعة الثانية ظهرًا، فقد وصفه بأنه قرار عسكري بالغ الدقة، موضحًا أن التخطيط استهدف إتاحة ساعات من ضوء النهار لتنفيذ المهام الأولى للعبور وتثبيت المواقع، قبل حلول الظلام.

وأضاف أن وضع الشمس في ذلك التوقيت منح القوات المصرية المتقدمة من الغرب إلى الشرق ظروف رؤية مناسبة نسبيًا، بينما واجهت بعض المواقع الإسرائيلية الشمس في اتجاه النظر.

كما أشار إلى أن بدء الحرب في نهار رمضان كان عنصرًا يمكن أن يربك التقديرات الإسرائيلية بشأن استعداد الجنود المصريين لخوض مواجهة واسعة أثناء الصيام.

وأكد أن الدراسات شملت كذلك حركة القمر، وساعات الضوء، واتجاهات الرياح وسرعتها، وتأثيراتها في حركة القوارب المطاطية المستخدمة في الاقتحام.

واعتبر أن هذه التفاصيل تؤكد أن التخطيط المصري اعتمد على العلم والمعلومات الدقيقة، ولم يترك نجاح المعركة للمصادفة.

تاسعًا: تصريح الإفطار ومؤشرات اقتراب ساعة الصفر

واستعاد زكي واقعة حدثت في الثاني من أكتوبر 1973، عندما وصل إلى وحدته، عن طريق قائد الكتيبة، توجيه منسوب إلى مفتي الجمهورية يتعلق بالسماح بالإفطار خلال نهار رمضان.

وأوضح أنه كان آنذاك قائد سرية، وأن وصول هذا التوجيه جعله يدرك أن الاستعدادات قد تتجاوز مجرد مشروع تدريبي.

وأشار إلى أن السماح بالإفطار في ظل الاستعداد لتنفيذ مهام قتالية شاقة حمل، بالنسبة إليه، دلالة على احتمال اقتراب مواجهة عسكرية واسعة.

وأضاف أن القوات الموجودة على الخطوط الأمامية بدأت تتلقى كميات كبيرة من الذخائر والمستلزمات القتالية، بالتوازي مع المحافظة على المظاهر الاعتيادية للحياة العسكرية.

عاشرًا: كرة القدم وصيد الأسماك أمام أعين الإسرائيليين

كشف العقيد حلمي زكي أن موقع سريته على الضفة الغربية كان قريبًا للغاية من المواقع الإسرائيلية المقابلة، وأن المسافة بينهما بلغت، بحسب تقديره، نحو 220 إلى 250 مترًا.

وأوضح أن هذا القرب جعل الحفاظ على المظاهر الطبيعية أمرًا بالغ الأهمية.

وأشار إلى أنه صباح السادس من أكتوبر 1973، دفعت وحدته بمجموعات من الجنود لممارسة أنشطة اعتيادية بالقرب من شاطئ القناة.

وأضاف أن بعض الجنود كانوا يلعبون كرة القدم، بينما انشغل آخرون بصيد الأسماك، في مشاهد لا توحي بأن القوات تستعد لبدء حرب خلال ساعات.

وأكد أن تلك الأنشطة كانت تجري في مواجهة المواقع الإسرائيلية، بينما كانت القوات المصرية قد استكملت تجهيزاتها القتالية.

واعتبر أن هذه الإجراءات تمثل نموذجًا للخداع التكتيكي الذي نفذته الوحدات الصغيرة، بالتكامل مع خطة الخداع الاستراتيجي على مستوى القيادة العليا.

حادي عشر: فتح المظروف السري.. فرحة لا يمكن وصفها

انتقل العقيد حلمي زكي إلى استعادة اللحظات التي سبقت انطلاق العمليات، مؤكدًا أنه يفضل وصف العملية بأنها «اقتحام قناة السويس» وليس مجرد عبور.

وأوضح أن العبور قد يكون انتقالًا عبر مكان آمن، أما الاقتحام فهو عبور في مواجهة خطر ونيران معادية.

واستعاد لحظة فتح المظروف المصنف «سري للغاية»، الذي حمل الأمر النهائي ببدء العمليات العسكرية.

وأشار إلى أن تلك اللحظة أشعلت مشاعر الفرح والحماس بين الضباط والجنود وضباط الصف، بعدما أدركوا أن سنوات الانتظار والتدريب قد وصلت إلى لحظة التنفيذ.

وأضاف أن المقاتلين لم يكتفوا بتبادل التهاني، بل احتضن بعضهم بعضًا في مشهد جسد روح الأخوة والتلاحم بين مختلف الرتب.

وأكد أن الساعات الثلاث التي سبقت بداية الهجوم مرت عليهم ببطء شديد، حتى إنه كان يتمنى لو يستطيع تحريك عقارب الساعة بيده لتسريع وصول ساعة الصفر.

وقال:

«الثلاث ساعات دول مروا علينا تلات شهور».

ثم أضاف مستعيدًا مكانة هذا اليوم في ذاكرته:

«أعظم وأحلى يوم في حياتي يوم 6 أكتوبر.. والله على ما أقول شهيد، مفيش يوم يضاهيه أبدًا عندي».

وأكد أن هذه المشاعر لا تزال حاضرة لديه رغم مرور أكثر من نصف قرن على الحرب.

ثاني عشر: الضربة الجوية ورائحة البارود

استعاد زكي اللحظة التي حانت فيها الساعة الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، عندما شاهد الطائرات الحربية المصرية تعبر فوق مواقع القوات على الضفة الغربية في اتجاه الأهداف الإسرائيلية.

وأوضح أن الضربة الجوية شاركت فيها، وفقًا لروايته، نحو 220 طائرة، استهدفت مواقع القيادة والسيطرة والاحتياطيات وغيرها من الأهداف العسكرية.

وأشار إلى أن انفجارات القصف كانت تُسمع بوضوح من المواقع الأمامية، وأن رائحة البارود والمواد الناتجة عن الانفجارات ملأت المكان.

لكنه استعاد تلك الرائحة بمشاعر مختلفة، مؤكدًا أنها كانت بالنسبة إلى المقاتلين أشبه برائحة العطر، لأنها أعلنت بداية المعركة التي انتظروها طويلًا.

وأوضح أن أصوات الانفجارات لم تكن تثير في نفوسهم الخوف بقدر ما كانت تمنحهم شعورًا بالسعادة، لأنهم أدركوا أن لحظة استرداد الأرض قد بدأت.

ثم تحدث عن التمهيد المدفعي المصري، مشيرًا إلى مشاركة أعداد كبيرة من المدافع في قصف المواقع الإسرائيلية على امتداد الجبهة، في عملية استمرت نحو 53 دقيقة وفقًا لما أورده.

وأكد أن الضربة الجوية والتمهيد المدفعي وفرا الظروف اللازمة لبدء اقتحام القناة، وأن القوات المصرية كانت تعرف الأدوار المحددة لها في مختلف مراحل العملية.

ثالث عشر: سلالم الحبال والخشب لاقتحام الساتر الترابي

وأوضح العقيد حلمي زكي أن القوات المصرية استخدمت سلالم خاصة لتسلق الساتر الترابي، تتكون من حبال جانبية متصلة بدرجات خشبية.

وأشار إلى أن المقاتلين كانوا يحملون أوزانًا كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات، بما في ذلك أجزاء من المدافع المضادة للدبابات والرشاشات والمهمات الشخصية.

وأكد أن محاولة تسلق الساتر دون وسائل مساعدة كانت ستستغرق وقتًا طويلًا، بينما كانت سرعة الوصول إلى قمته ضرورية لنجاح العملية.

وأضاف أن القوات اختارت مقاتلين يتمتعون ببنية جسدية قوية ولياقة بدنية عالية، لتولي مهمة الصعود أولًا وفرد السلالم وتثبيتها، ثم إتاحة الفرصة لبقية الجنود لتسلق الساتر.

وأوضح أن نجاح هذه المهمة كان نتيجة تدريب مكثف على أدق تفاصيل الاقتحام.

رابع عشر: سيناء أمام أعيننا.. والجيش الذي لا يُقهر ينسحب

انتقل زكي إلى وصف اللحظة التي وصل فيها إلى أعلى الساتر الترابي، مؤكدًا أنه شاهد أرض سيناء ممتدة أمامه على مرمى البصر.

وأشار إلى أن هذا المشهد كان بالغ التأثير على المقاتلين، الذين ظلوا سنوات ينتظرون فرصة الوصول إلى أرضهم وتحريرها.

وأضاف أنه شاهد كذلك عناصر من القوات الإسرائيلية تتراجع، وعربات مدرعة ودبابات تنسحب من المنطقة، بينما يحاول بعض الجنود الإسرائيليين اللحاق بها.

وأكد أن هذه المشاهد بددت في نظره المقولة التي كانت تروج عن الجيش الإسرائيلي باعتباره «الجيش الذي لا يُقهر».

وأوضح أن هذه الصورة كانت تمثل تحديًا نفسيًا للمقاتلين المصريين، وأن رؤيتهم قوات إسرائيلية تتراجع أمامهم منحتهم دفعة معنوية كبيرة.

ثم استعاد واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته، عندما نزل مع زملائه إلى أرض سيناء، وانحنوا يلمسون رمالها ويقبلونها تعبيرًا عن حبهم للوطن وفرحتهم بالعودة إلى أرضه.

وأكد أن هذا التصرف لم يصدر عنه وحده، وإنما شاركه فيه رفاقه، مرددًا بتأثر:

«كلنا والله.. والله العظيم كلنا».

وأشار إلى أن الاشتباكات استمرت مع القوات الإسرائيلية الموجودة في نطاق تقدم وحدته، واستخدم المقاتلون المصريون أسلحتهم الفردية وقواذف RPG لمواجهة الأهداف المعادية والعربات المدرعة.

خامس عشر: مهمة جديدة.. خمس شاحنات ذخيرة إلى الكتيبة

انتقل العقيد حلمي زكي إلى رواية واحدة من أخطر المهام التي كُلف بها خلال الحرب.

وأوضح أن الوحدات المقاتلة تستهلك كميات كبيرة من الذخائر أثناء المعارك، وأن تعويض ما استهلكته يصبح ضرورة للحفاظ على قدرتها على مواصلة القتال.

وأشار إلى أن قائد كتيبته، المقدم أحمد إسماعيل عطية، رحمه الله، كلفه بالعودة إلى الضفة الغربية لتجهيز خمس شاحنات محملة بمختلف أنواع الذخائر، تمهيدًا لنقلها إلى الكتيبة شرق القناة بعد الانتهاء من تجهيز الكوبري العسكري.

وأوضح أن هذه المهمة لم تكن سهلة، لأن الذخائر المطلوبة تنوعت بين طلقات المسدسات والبنادق والرشاشات، وذخائر قواذف RPG، وصولًا إلى ذخائر المدافع المضادة للدبابات.

وأضاف أنه عمل مع رجاله طوال الليل لتجهيز الشاحنات الخمس، ثم انتظر انتهاء المهندسين من أعمال الكوبري.

وأكد أنه تحرك بعد ذلك على رأس القافلة بسيارة جيب، بينما سارت خلفه الشاحنات المحملة بالذخائر في اتجاه مواقع كتيبته.

سادس عشر: نيران النقطة الحصينة في الدفرسوار

وأوضح زكي أنه بعد عبور الكوبري والدخول من الثغرة التي فُتحت في الساتر الترابي، فوجئ بنيران كثيفة تنطلق من إحدى النقاط الإسرائيلية الحصينة في منطقة الدفرسوار.

وأشار إلى أن النقطة كانت لا تزال قائمة وقادرة على إطلاق النار، رغم نجاح القوات المصرية في اقتحام القناة وعبور المعدات الثقيلة.

وأضاف أن النيران كانت تنطلق من فتحات جانبية في الموقع الحصين، مستهدفة العربات التي تتحرك في المنطقة.

وأكد أن الموقف كان شديد الخطورة، لأن الشاحنات الخمس تحمل كميات كبيرة من الذخائر، وأي إصابة مباشرة لإحداها قد تؤدي إلى انفجار حمولتها وإيقاع خسائر كبيرة بين السائقين، فضلًا عن حرمان الكتيبة من الإمدادات التي تحتاج إليها.

وأشار إلى أنه تمكن من الوصول إلى موضع يوفر قدرًا من الاستتار، ثم بدأ تقدير الموقف والبحث عن وسيلة لإبعاد القافلة عن مرمى النيران.

سابع عشر: قرار التضحية بسيارة الجيب لإنقاذ الذخائر

كشف العقيد حلمي زكي أنه أدرك أن بقاء الشاحنات في مرمى النيران يهدد حياة عدد كبير من الجنود الذين ينتظرون وصول الذخائر.

وأوضح أن المهمة بالنسبة إليه لم تكن مجرد نقل معدات، وإنما حماية القدرة القتالية للكتيبة التي تحتاج إلى هذه الإمدادات لمواصلة المعركة.

وأشار إلى أنه اتخذ قرارًا بالتقدم بسيارة الجيب في اتجاه النقطة الإسرائيلية، بهدف جذب نيرانها بعيدًا عن الشاحنات، وإتاحة الفرصة لها لمغادرة المنطقة.

وأكد أنه لم يشأ تحميل رفاقه مسؤولية هذا القرار شديد الخطورة، وكان مستعدًا لتنفيذه بمفرده.

وقال مستعيدًا ما كان يدور في ذهنه:

«المهم إن أنا أحقق المهمة.. أحققها وأنا عايش أو أنا ميت، مش هتفرق معايا».

لكن اثنين من رفاقه رفضا تركه يواجه الخطر وحده، وأصرا على مرافقته في سيارة الجيب.

وأوضح أنه حاول إقناعهما بعدم المشاركة، غير أنهما تمسكا بموقفهما، فتحرك الثلاثة معًا لتنفيذ الخطة.

ثامن عشر: سيارة الجيب تنفجر على بُعد 200 متر من الموقع الإسرائيلي

أوضح زكي أنه تحرك بسيارة الجيب في مسار يسمح له بالاقتراب من النقطة الحصينة وجذب نيرانها، حتى وصل إلى مسافة تقدر بنحو 200 متر من الموقع.

وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية بدأت إطلاق النار عليهم باستخدام الرشاشات الثقيلة، ومنها رشاشات نصف البوصة.

وأكد أن صوت الطلقات كان شديدًا، لكنه واصل التحرك حتى وصل إلى الموضع الذي حدده.

وأضاف أن الثلاثة تمكنوا من الابتعاد عن السيارة والاحتماء في موضع قريب منها، بينما استمرت القوات الإسرائيلية في استهدافها.

وأوضح أن السيارة كانت تحتوي على الوقود وبعض الذخائر، وأن استمرار إطلاق النار أدى إلى انفجارها انفجارًا هائلًا، بينما كان هو ورفيقاه على مسافة تقارب عشرين مترًا منها.

وأشار إلى أن الانفجار تسبب في تصاعد سحابة كثيفة من الدخان، تجاوز حجمها ما كان يتوقعه.

وأكد أن هذه السحابة كانت الإشارة التي اتفق عليها مسبقًا مع سائقي الشاحنات الخمس، لبدء التحرك في الاتجاه المحدد نحو الكتيبة.

تاسع عشر: أصوات محركات الشاحنات تعلن نجاح المهمة

استعاد العقيد حلمي زكي اللحظة التي بدأ فيها يسمع أصوات محركات الشاحنات وسط سحابة الدخان.

وأوضح أنه تعرف إلى أصواتها، ثم لاحظ ابتعادها تدريجيًا، فأدرك أن القافلة تمكنت من مغادرة منطقة النيران والسير في الاتجاه المطلوب.

وأشار إلى أنه حمد الله وشكره بعدما اطمأن إلى نجاح الجزء الأساسي من مهمته، وهو إنقاذ شاحنات الذخيرة من الاستهداف المباشر.

وأكد أن فقدان سيارة الجيب لم يكن يعني له شيئًا مقارنة بأهمية وصول الإمدادات إلى المقاتلين الذين ينتظرونها.

لكنه أضاف أن الخطر لم ينتهِ بالنسبة إليه وإلى رفيقيه، لأن القوات الإسرائيلية عاودت إطلاق النار عليهم بعد انفجار السيارة.

عشرون: 85 طلقة لإنقاذ رفيق مصاب

أوضح زكي أن أحد رفاقه أصيب أثناء محاولة الابتعاد عن الموقع الإسرائيلي، فاضطر إلى اتخاذ قرار جديد لتأمين سحبه بعيدًا عن منطقة النيران.

وأشار إلى أنه كان يمتلك 85 طلقة جاهزة للاستخدام، وأن تغيير خزنة السلاح أثناء الاشتباك قد يستغرق ست أو سبع ثوانٍ.

وأكد أن هذه الثواني القليلة قد تكون فاصلة بين الحياة والموت في ميدان القتال.

وأضاف أنه طلب من الجندي المرافق له سحب الضابط المصاب نحو موضع أكثر أمانًا، بينما يتولى هو إطلاق النار على فتحات النقطة الحصينة.

وأوضح أنه وجه نيرانه نحو ثلاث فتحات في الموقع الإسرائيلي، مستخدمًا الطلقات المتاحة لديه لتقليل قدرة الجنود الإسرائيليين على استهداف رفيقيه أثناء التحرك.

وأكد أنه نجح، بحسب شهادته، في توفير الوقت اللازم لإبعاد المصاب، لكن القوات الإسرائيلية عاودت توجيه النيران إليه فور انتهاء ذخيرته.

حادي وعشرون: شظايا الهاون تصيب جسده

كشف العقيد حلمي زكي أن القوات الإسرائيلية استخدمت الرشاشات وقذائف الهاون عيار 81 ملليمترًا في استهدافه.

وأوضح أنه حاول التحرك لتجنب النيران، إلا أن شظايا القذائف اخترقت جسده في عدة مواضع.

وأشار إلى أنه لم يتمكن في البداية من إدراك خطورة إصاباته، لكنه بدأ يشعر سريعًا بضعف شديد نتيجة النزيف.

وأكد أنه خلال دقائق قليلة أصبح عاجزًا عن الحركة والاستجابة بصورة طبيعية.

وأضاف أنه علم بعد ذلك، أثناء علاجه، أنه احتاج إلى نقل نحو لترين من الدم، نتيجة شدة الإصابة وما صاحبها من فقدان للدم.

وأوضح أن هذه اللحظات كانت من أخطر ما واجهه طوال حياته العسكرية.

ثاني وعشرون: «النقيب حلمي حمانا.. وإحنا ما قدرناش نحميه»

في واحد من أكثر مشاهد شهادته تأثيرًا، استعاد زكي الكلمات التي سمعها من رفاقه عندما توقف عن الاستجابة لنداءاتهم.

وأوضح أنه كان يسمعهم، لكنه لم يعد قادرًا على الكلام أو الحركة بسبب شدة النزيف.

وأشار إلى أن أحدهم اعتقد أنه استشهد، وقال لرفيقه:

«النقيب حلمي حمانا، وإحنا ما قدرناش نحميه».

ثم سمعهما يتحدثان عن ضرورة العودة إلى الكتيبة وإبلاغ القيادة باستشهاد النقيب حلمي.

وأكد أن أصعب ما في تلك اللحظة أنه كان يدرك ما يقولانه، لكنه لم يستطع أن يطمئنهما إلى أنه لا يزال على قيد الحياة.

وأشار إلى أن هذه الواقعة ظلت محفورة في ذاكرته، لما حملته من مشاعر إنسانية قاسية، ولأنها أظهرت له مدى ارتباط رفاقه به وحرصهم عليه.

ثالث وعشرون: اعتقد أنه مات ثم بدأ يستعيد وعيه

استكمل زكي شهادته موضحًا أن حالته تدهورت إلى درجة فقدان الوعي، وأنه شعر في تلك اللحظات كما لو أنه فارق الحياة بالفعل.

واستعاد حالة التشوش التي عاشها عندما بدأ يستعيد إدراكه تدريجيًا، موضحًا أن رؤيته كانت ضبابية، ولم يكن يستطيع تمييز الأشياء أو الألوان بصورة واضحة.

وأضاف أن الصورة بدأت تتضح أمام عينيه شيئًا فشيئًا، بينما كان ذهنه لا يزال يردد فكرة أنه استشهد خلال الحرب بين مصر وإسرائيل.

وأكد أنه عندما أدرك أنه لا يزال حيًا، شعر بمزيج من الفرح والحزن؛ فرح لنجاته من الموت، وحزن نابع من استعداده النفسي للشهادة في سبيل الوطن.

وقال معبرًا عن تلك اللحظة:

«فرحت وزعلت.. زعلت لأن أنا كنت موت شهيد يعني، وفرحت إن أنا لسه ما زلت على قيد الحياة».

وأوضح أنه بعد استعادة قدر من وعيه، عاد إلى تقدير الموقف العسكري، رغم إصاباته الشديدة وضعف قدرته على الحركة.

وأشار إلى أنه قرر انتظار حلول الظلام قبل محاولة العودة إلى المواقع المصرية، لأن التحرك في وضح النهار قرب النقطة الإسرائيلية كان يمكن أن يعرضه لإطلاق النار مرة أخرى.

رابع وعشرون: دورية بقيادة محمد إبراهيم بركات تعود للبحث عنه

كشف العقيد حلمي زكي أن خبر استشهاده كان قد وصل إلى قيادة كتيبته وانتقل إلى المستويات القيادية الأعلى.

وأوضح أن إحدى الدوريات تحركت للبحث عنه في المنطقة التي أصيب فيها، بقيادة الضابط محمد إبراهيم بركات، رحمه الله، وبرفقته اثنان من الجنود يحملون نقالة.

وأشار إلى أن أفراد الدورية واجهوا صعوبات في الوصول إليه والتعرف عليه وسط ظروف القتال، لكنه تمكن في النهاية من التواصل معهم.

وأكد أن هذه اللحظة كانت من اللحظات الحاسمة في نجاته، لأنه كان عاجزًا عن السير بمفرده نتيجة الإصابات والنزيف.

وأضاف أن أفراد الدورية حملوه على النقالة وبدأوا إخلاءه من منطقة الاشتباك، في رحلة لم تكن خالية من المخاطر.

خامس وعشرون: محمد حسين طنطاوي يقبّل رأسه أثناء الإخلاء

انتقل العقيد حلمي زكي إلى استعادة موقف إنساني ظل راسخًا في ذاكرته طوال حياته.

وأوضح أنه أثناء نقله مصابًا، مرت الدورية بالقرب من مواقع الكتيبة 16 مشاة، التي كان يقودها آنذاك المقدم محمد حسين طنطاوي، الذي أصبح لاحقًا مشيرًا ووزيرًا للدفاع.

وأشار إلى أن إجراءات التأمين استلزمت التوقف والتواصل مع قيادة الكتيبة قبل السماح بمرور الدورية.

وأضاف أنه سمع عبر جهاز الاتصال تعليمات من قائد الكتيبة تطلب انتظارهم.

وبعد نحو أربع أو خمس دقائق، فوجئ بالمقدم محمد حسين طنطاوي يحضر بنفسه إلى مكان وجوده.

وأوضح أن طنطاوي اقترب منه وهو ممدد على النقالة، وانحنى وقبّل رأسه، في مشهد إنساني عميق الأثر.

وأشار إلى أن طنطاوي عاتبه بصورة ودودة على محاولته المرور من نطاق الكتيبة دون أن يراه ويطمئن عليه.

وأكد أن هذه اللفتة ظلت من أكثر المواقف التي يعتز بها، لأنها جسدت روح الأخوة والتقدير بين قادة القوات المسلحة والمقاتلين خلال الحرب.

سادس وعشرون: مستشفى كوبري القبة وإزالة الشظايا

أوضح زكي أنه استكمل رحلة الإخلاء عبر الوحدات الطبية العسكرية، حتى وصل إلى مستشفى كوبري القبة العسكري.

وأشار إلى أنه خضع لعملية جراحية لعلاج إصاباته واستخراج الشظايا التي اخترقت جسده.

وأضاف أن الأطباء تمكنوا من إزالة شظيتين، بينما بقيت شظية ثالثة في موضع عميق بالجانب الأيسر من جسده، بحسب ما يتذكره من تفاصيل علاجه.

وأكد أن مرحلة العلاج كانت شاقة، لكنها كشفت له أيضًا عن حجم الجهود التي بذلتها الفرق الطبية في إنقاذ مصابي الحرب.

سابع وعشرون: جيهان السادات تزوره وتقبّل جبينه

وصل العقيد حلمي زكي في ختام شهادته إلى واحد من أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا في حياته، عندما استعاد زيارة السيدة الراحلة جيهان السادات له خلال فترة علاجه في المستشفى.

وأوضح أنه كان يبلغ من العمر 24 عامًا عندما أصيب خلال الحرب، وأن زيارة السيدة جيهان السادات تركت أثرًا عميقًا في نفسه.

وأشار إلى أنها اقتربت منه وقبّلت جبينه، ثم وجهت إليه كلمات لم يستطع نسيانها طوال السنوات التالية.

وقال مستعيدًا عبارتها:

«الشظايا اللي في جسمك دي مش شرف ليك لوحدك، ده شرف لينا كلنا».

وأكد أن هذه الكلمات بقيت محفورة في ذاكرته، وأنه سيظل يتذكرها حتى آخر يوم في حياته.

وأشاد بالسيدة جيهان السادات، مؤكدًا تقديره لدورها الإنساني والوطني، واهتمامها بمصابي حرب أكتوبر وأسرهم.

وأشار إلى أن هذا الموقف جعله يشعر بأن التضحية التي قدمها هو ورفاقه لم تكن تخصهم وحدهم، وإنما كانت مصدر فخر واعتزاز للوطن كله.

ثامن وعشرون: رفض الوظيفة الإدارية وأصر على العودة إلى وحدته

اختتم العقيد حلمي زكي شهادته بالحديث عن المرحلة التي أعقبت تعافيه من الإصابة.

وأوضح أنه كانت هناك رغبة في نقله إلى وظيفة إدارية مراعاة لما تعرض له من إصابات خلال الحرب، لكنه رفض الابتعاد عن وحدته المقاتلة.

وأكد أنه أصر على العودة إلى زملائه واستكمال خدمته العسكرية، رغم الظروف الصحية الصعبة التي مر بها.

وأضاف أن إصراره على العودة لم يكن مجرد تمسك بوظيفة عسكرية، وإنما تعبيرًا عن شعوره بالمسؤولية تجاه رفاقه ورغبته في مواصلة أداء واجبه.

وأشار إلى أنه تمكن بالفعل من العودة إلى وحدته، ليواصل مسيرته العسكرية بعد تجربة كادت تنتهي باستشهاده.

شهادة وطنية تمتد من التخطيط إلى التضحية

وجاءت شهادة العقيد حلمي زكي لتكشف عن جوانب متعددة من ملحمة حرب أكتوبر، بدءًا من مقارنة ميزان القوى والتفوق الإسرائيلي في بعض مجالات التسليح، مرورًا ببناء حائط الصواريخ، وإعداد المصاطب لمواجهة النقاط الحصينة، وابتكار وسيلة فتح الثغرات في الساتر الترابي بالمياه، وتعطيل أنابيب المواد الحارقة، وصولًا إلى إجراءات الخداع الاستراتيجي واختيار ساعة الصفر.

كما قدمت شهادته صورة حية عن المقاتل المصري في لحظات الاقتحام، عندما تحولت سنوات الانتظار والتدريب إلى فرحة بصدور أمر الحرب، ثم إلى مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية على أرض سيناء.

لكن الجانب الأكثر تأثيرًا في كلمته كان روايته عن مهمة إمداد كتيبته بالذخائر، وما صاحبها من قرارات قتالية خطيرة، وإصابات بالغة، ومواقف إنسانية أظهرت حجم التلاحم والتضحية بين المقاتلين.

وعقب انتهاء كلمته، وجه مقدم الاحتفالية الشكر إليه على هذه الشهادة التاريخية، موضحًا أنه كان من ضباط المشاة بالكتيبة 18 التابعة للواء 16 مشاة، وأن جانبًا رئيسيًا من الأحداث التي رواها وقع في منطقة الدفرسوار.

وهكذا اختتم العقيد حلمي زكي شهادته برسالة تتجاوز حدود المعركة العسكرية، لتؤكد أن انتصار أكتوبر كان ثمرة عقل يخطط، وجندي يقتحم، ورفاق يتكاتفون، ووطن لا ينسى أبناءه الذين قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن أرضه وكرامته.

وبقيت عبارتان تختصران جوهر شهادته: الأولى عندما وصف السادس من أكتوبر بأنه أعظم يوم في حياته، والثانية كلمات جيهان السادات التي جعلت الشظايا التي حملها في جسده وسام شرف لا يخصه وحده، بل يخص المصريين جميعًا.