دراسة نقدية مع قراءة ذاتية قبل إصدار ونشر الرواية رواية "حين يصير النظر عبادة: قصة أمي مع السرطان‎"‎‏ للكاتب د. سمير الوصبي

 0
دراسة نقدية مع قراءة ذاتية قبل إصدار ونشر الرواية رواية "حين يصير النظر عبادة: قصة أمي مع السرطان‎"‎‏ للكاتب د. سمير الوصبي

قراءة في البنية السردية والدلالات الإنسانية والاجتماعية
القسم الأول: قراءة ذاتية - لماذا كتبت هذه الرواية؟
‏"هدية إلى أخي الأكبر الأستاذ محمد بمناسبة تقاعده"‏
ليس من السهل على كاتب أن يكتب عن كتابه؛ فالناقد ينظر من الخارج، أما الكاتب فيعيش من الداخل. لكني اخترت هذه ‏القراءة الذاتية، لا بدافع التباهي أو الدفاع عن النص، بل بدافع الرغبة في كشف الخيوط الخفية التي نسجت هذه الرواية، ‏والتي قد لا يلمسها القارئ العادي، وقد لا يلتقطها حتى الناقد المحترف‎.‎
هذه الرواية هي روايتي الأولى. وقد استغرقت مني 8 سنوات كاملة (2018 - 2026). لم تكن هذه السنوات مجرد وقت ‏للكتابة، بل كانت رحلة تأمل ومراجعة وبكاء ونهوض. ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرحه القارئ، والذي سأحاول ‏الإجابة عنه هنا، هو: لماذا 8 سنوات لرواية واحدة؟ وما الذي جعل هذه الرواية تحديدًا تستحق هذا العناء، وهي الأولى في ‏مسيرتي؟
الجواب مختصر لكنه عميق: لأنني لم أكتب رواية؛ بل بنيت ذاكرة، وأسست مشروعًا، وأعدت تعريف الأسرة‎.‎
أولًا: الأسرة مفهوم لا جدارًا - الدعوة الإصلاحية
في زمن يموج بالتفكك الأسري، حيث تتفكك الروابط، وتتسع الهوة بين الأجيال، وتتحول العلاقات الأسرية إلى علاقات ‏استهلاكية سطحية، جاءت هذه الرواية لتقدم مشروعًا إصلاحيًا في ثوب أدبي. لم تكن الغاية منها فقط رثاء أمي خديجة، بل ‏كانت دعوة مبطنة لإعادة الاعتبار للأسرة بوصفها كيانًا مقدسًا؛ ليس على مستوى الخطاب، بل على مستوى الممارسة ‏والتضحية والحضور‎.‎
تقدم الرواية نموذجًا للأسرة من خلال عدة مستويات متداخلة‎:‎
‎1. ‎الأسرة النووية: الأم خديجة، والأب العامل في المناجم، والأبناء (سمير، وحسن، وفاطنة، والأخ الأكبر محمد، الذي ‏كان سندًا للجميع). هذه الأسرة، رغم فقرها المادي، كانت غنية بالتفاهم والتضامن‎.‎
‎2. ‎الأسرة الممتدة: حين تكفلت خديجة برعاية إخوة زوجها، وكأنها أمهم، وحين وقف ابن العم محمد تحت الصخور لينقذ ‏أبي، وحين تضامن الجيران والأصدقاء - كل هذه المشاهد ترسم أسرة لا تعرف الحدود الضيقة للدم، بل تعرف معنى ‏‏"الأسرة كامتداد روحي".‏
‎3. ‎الأسرة المجتمعية: المدرسة، والحي، والجيران، والمتطوعون في مركز خديجة - كلهم أصبحوا عائلة ممتدة. وهذا هو ‏جوهر الدعوة الإصلاحية: الأسرة ليست محصورة في أربعة جدران، بل هي شبكة من العلاقات القائمة على المسؤولية ‏المتبادلة‎.‎
‎"‎كل مجتمع يريد أن يعرف ملامح مستقبله، فليس عليه إلا أن ينظر إلى الطريقة التي يعامل بها أمهاته، وأطفاله، ‏ومرضاه‎."‎
هذه الجملة التي ألقيتها في إحدى المحاضرات، والتي أصبحت لاحقًا مانشيتًا، هي خلاصة فلسفة الرواية؛ فالأسرة، في ‏جوهرها، هي المختبر الأول للقيم الإنسانية. فإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع؛ وإذا تفككت، تفكك كل شيء‎.‎

ثانيًا: الرواية الأولى وأساطير البدايات‏
ليس غريبًا أن تكون الرواية الأولى للكاتب هي الأكثر حمولته، والأكثر صدقًا، والأكثر خطرًا؛ فالكاتب في روايته الأولى ‏يضع كل أوراقه على الطاولة، لا يخفي شيئًا، ولا يتوارى وراء حيل سردية معقدة؛ بل يكشف عن جذوته الأدبية الأولى‎.‎
وهذا ما فعله كبار الروائيين عبر التاريخ‎:‎
‎· ‎نجيب محفوظ في روايته الأولى "عبث الأقدار" (1939)، حيث وضع أسس مشروعه الروائي الذي سيستمر لعقود، ‏محاولًا فهم التاريخ والمصير من خلال عيون الفراعنة‎.‎
‎· ‎عبد الرحمن الشرقاوي في روايته الأولى "الأرض" (1954)، حيث جعل من الفلاح المصري بطلًا أسطوريًا، مخلدًا ‏صراع الإنسان مع الأرض والظلم‎.‎
‎· ‎غابرييل غارسيا ماركيز، وإن كانت روايته الأولى "وردة صفراء" غير مشهورة، لكن "مئة عام من العزلة" كانت ‏بمثابة الرواية الأولى في مشروعه الحقيقي، حيث أسس للواقعية السحرية‎.‎
أما روايتي الأولى؛ خيالية أو تأريخية أو سياسية بالمعنى المباشر، فكانت رواية أمي. كانت إعلان حب وتأبين وبناء في ‏آن واحد. لأنني لم أكن لأكتب رواية عن شيء آخر قبل أن أكتب عن أمي، وكأنها البوابة التي لا بد من عبورها لدخول ‏عالم الأدب‎.‎
ثالثًا: الأخ الأكبر محمد - المعلم الذي يستحق الهدية
في كل رواية، هناك شخصيات تعيش في الظل، لكنها تحمل ثقل السرد كله. في روايتي، كان الأخ الأكبر محمد واحدًا من ‏تلك الشخصيات الصامتة لكنها الفاعلة. لم يكن محمد هو بطل الإنقاذ في حادثة الغار (تلك البطولية كانت لابن عمي محمد، ‏الذي صرخ في وجه الموت وأنقذ أبي من تحت الصخور)، لكن محمد الأخ الأكبر كان بطلًا في حقله، وفي مدرسته، وفي ‏فصله الدراسي‎.‎
أربعون عامًا قضاها في سلك التدريس والإدارة التربوية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. أربعون عامًا ‏من العطاء الصامت؛ من تعليم الأجيال، ومن تحمل مسؤولية التربية والتعليم في زمن لم تكن فيه الإمكانيات متوفرة، لكن ‏العزيمة كانت حاضرة‎.‎
لم يكن محمد في الرواية ذلك البطل الذي يضرب الأرض بقدميه، لكنه كان الحضور الثابت؛ الأب البديل بعد رحيل الوالد، ‏والسند الذي يدفع الفواتير، والناصح الحكيم الذي نلجأ إليه في أوقات الضيق‎.‎
وهذه القراءة الذاتية، التي بين أيديكم، هي هدية متواضعة لهذا المعلم الجليل، الذي لم يطلب يومًا جزاءً ولا شكورًا على ما ‏قدمه لأسرته ولمجتمعه. لأنه يستحق أن يُهدى إليه عملٌ يتحدث عن الأسرة، وهو من قضى عمره في بناء الأسرة من ‏خلال التعليم‎.‎
يصدر هذا المقال بمناسبة تقاعد الأستاذ محمد بعد أربعين عامًا من الخدمة المخلصة في سلك التدريس والإدارة التربوية، ‏وفاءً لسنواته التي لم يطلب فيها جزاءً، وإيمانًا بأن العلم والأسرة هما أساس أي نهضة‎.‎
رابعًا: ثماني سنوات بين الوجع والبناء - توقيت الإصدار
لعل القارئ يسأل: لماذا ثماني سنوات تحديدًا؟ أليست هذه مدة طويلة لرواية؟
الجواب: لأن الرواية لم تنتهِ عند كتابة الجملة الأخيرة. لقد بدأت الكتابة فعليًا منذ لحظة وفاة أمي في 2018. في ذلك العام، ‏كان كل شيء غامضًا، ومؤلمًا، ومشوشًا. حاولت الكتابة فورًا، لكن الحروف كانت تتلاشى أمام الدموع. ثم بدأت الكتابة ‏ببطء، سطرًا سطرًا، وكأنني أنقش على حجر‎.‎
ومع مرور السنوات، تحولت الرواية من تأبين إلى مشروع حياة. كل إضافة، وكل تعديل، وكل مراجعة كانت تجعل ‏الرواية أكثر عمقًا، وأكثر اتساعًا. لم أكن أكتب عن أمي فقط، بل عن كل الأمهات. لم أكن أكتب عن عائلتي فقط، بل عن ‏مفهوم الأسرة ككل. لم أكن أكتب عن السرطان فقط، بل عن كرامة الإنسان في مواجهة الفناء‎.‎
لذا، فإن تاريخ الإصدار الفعلي للرواية سيوافق، بإذن الله، تاريخ وفاة أمي خديجة - رحمها الله - في شهر أكتوبر 2026، ‏بعد ثماني سنوات كاملة من الرحيل. وكأنني بهذا التوقيت أقول: لقد أنجزتُ ما وعدتُكِ به يا أمي. لم أنسَكِ، ولم أنسَ ‏رسالتكِ‎.‎‏ ‏
القسم الثاني: دراسة نقدية - قراءة في البنية والدلالات
مقدمة: بين السيرة الذاتية والملحمة الإنسانية
تعد رواية "حين يصير النظر عبادة" للدكتور سمير الوصبي، عملًا أدبيًا فريدًا في المشهد الروائي العربي المعاصر. وهي ‏ليست مجرد عمل عابر في مسيرة كاتب، بل تمثل الرواية الأولى في تاريخه الإبداعي، وهي حقيقة تمنح العمل دلالة ‏خاصة؛ إذ يضع الكاتب فيها خلاصة عمره، وتراكم خبرته، وجوهر رؤيته للوجود، مستغرقًا في كتابتها ثماني سنوات ‏كاملة (2018 - 2026)، مما يجعلها أشبه بـ"عمل العمر" الذي لا يُكتب إلا بنضج الفكر واكتمال الرؤية‏‎.‎
العنوان الرئيسي "حين يصير النظر عبادة"، مع العنوان الفرعي "قصة أمي مع السرطان"، يحملان معًا إشكالية كبرى: ‏كيف يمكن للنظر أن يصير عبادة؟ وما الذي يحدث للرائي والمرئي حين تتحول النظرة من مجرد فعل بصري إلى فعل ‏وجودي مقدس؟
أولًا: البنية السردية - جدلية الحضور والغياب وزمن الكتابة الممتد
‎1. ‎الإطار الزمني المتشابك ودلالة الثماني سنوات
تعتمد الرواية على بنية سردية متشابكة، حيث يتحرك السارد بين ثلاثة أزمنة رئيسية‎:‎
‎· ‎زمن الحاضر: حيث الراوي يجلس إلى جانب أمه خديجة في أيامها الأخيرة‎.‎
‎· ‎زمن الماضي البعيد: طفولة خديجة في "حَمَر"، ومجاعة المغرب، وهجران أمها‎.‎
‎· ‎زمن الوسيط: حياة الأسرة في اليوسفية، والمناجم، والمدرسة، والجامعة‎.‎
غير أن الزمن الأكثر حضورًا في تشكيل الرواية هو زمن الكتابة نفسه. استغراق الكاتب ثماني سنوات في كتابة الرواية ‏الأولى يحمل دلالات متعددة‎:‎
‎· ‎الترميم النفسي: الكتابة كانت بمثابة جلسات علاج نفسي ممتدة، حيث يستعيد الكاتب بناء ذاكرته المكسورة حجرًا ‏حجرًا‎.‎
‎· ‎الأنثروبولوجيا الذاتية: ثماني سنوات فترة كافية لتحويل التجربة الشخصية إلى مادة علمية مدروسة، كما يفعل الباحث ‏في حقله الأكاديمي‎.‎
‎· ‎التطابق بين صبر الأم وصبر الابن: كما كانت خديجة تدبر القمح لسنوات القحط، كان سمير يدبر الكلمات لسنوات ‏النشر‎.‎
هذا التشابك الزمني يخلق فسيفساء سردية تعكس تعقيد الذاكرة الإنسانية. وكما يقول الناقد الفرنسي جيرار جينيت: "الزمن ‏في الرواية ليس وعاءً بسيطًا للأحداث، بل هو أداة تشكيل دلالية تعكس رؤية الكاتب للوجود".‏
‎2. ‎تعدد الأصوات والحوار الداخلي
يمتاز العمل بكثافة حوارية لافتة، فالحوارات ليست مجرد تبادل كلامي، بل هي فعل وجودي بامتياز. في كل مشهد، ‏يتحول الحوار إلى مساحة للكشف، وفضاء لبناء المعنى. نقرأ مثلًا‎:‎
أمي: "الخوف يا بني ليس عيبًا. لكنه ليس مفيدًا أيضًا. لقد عشتُ حياتي كاملة. رأيتُ أطفالي يكبرون. رأيتُك تصبح رجلًا. ‏رأيتُ الخير والشر. الموت ليس نهاية يا ولدي... هو مجرد انتقال إلى مكان آخر‎."‎
هنا، الحوار لا يخبرنا فقط عن موقف خديجة من الموت، بل يكشف عن فلسفة حياتية متكاملة؛ عن علاقة الإنسان بالزمن ‏والأبدية‎.‎
‎3. ‎تقنية "التأمل" كأداة سردية
العنوان "حين يصير النظر عبادة" ليس مجرد زخرف بلاغي؛ إنه المحرك السردي الأساسي؛ فالسارد لا يروي فقط، بل ‏يتأمل وهو يروي. كل مشهد يعيد إنتاجه عبر عدسة التأمل، وكأن الراوي يمارس نوعًا من الرؤية المتأخرة، حيث يصبح ‏الماضي حاضرًا بحضور النظرة إليه‎.‎
ثانيًا: الشخصيات - نماذج كونية في ثياب محلية
‎1. ‎خديجة: الأنثى الأسطورية والمرأة الواقعية
تقدم الرواية شخصية خديجة كأنموذج جامع للمرأة المغربية، بل العربية، بل الإنسانية. إنها‎:‎
‎· ‎الطفلة المهجورة في الثانية عشرة‎.‎
‎· ‎الزوجة المكافحة التي تبني بيتًا من لا شيء‎.‎
‎· ‎الأم الحاضنة التي ترعى أبناءها وإخوة زوجها‎.‎
‎· ‎المريضة الصامدة التي تواجه السرطان بابتسامة‎.‎
‎· ‎الحكيمة الفطرية التي تعرف قراءة الأرض والسماء قبل الكتب‎.‎
لكنها ليست شخصية مثالية خالية من العيوب؛ فهي مرعوبة في طفولتها، وغاضبة من أمها سنوات، وخائفة من أن تُنسى ‏بعد رحيلها. هذا المزيج بين الأسطوري والواقعي يمنحها عمقًا إنسانيًّا فائقًا‎.‎
يقول الناقد إدوارد سعيد: "كل سيرة ذاتية هي محاولة لإنقاذ الذات من النسيان، لكن السيرة الحقيقية هي التي تنقذ ‏الآخرين معها‎."‎
هذا ما تفعله خديجة: إنها تُنقَذ من النسيان عبر الرواية، لكنها في الوقت نفسه تُنقِذ كل أمهات العالم المنسيات‎.‎
‎2. ‎الراوي (سمير): من الابن إلى الأب إلى الحفيد
يمثل الراوي شخصية مركبة، وهو امتداد حي لخديجة. تحول الراوي من متلقٍ للحكاية إلى صانع لها، ثم إلى باعث للحياة ‏من رحم الموت. هذه الرحلة تذكّرنا بنظرية "البطل ذي الألف وجه" لجوزيف كامبل، حيث يمر البطل بمغامرة الخروج، ‏والاختبار، والعودة محملًا بكنز يعود به على مجتمعه‎.‎
‎3. ‎الشخصيات الثانوية: محمد (الأخ الأكبر)، وحسن، وفاطنة، ويوسف، وسعيد، وابن العم محمد
تكتسب الشخصيات الثانوية عمقًا استثنائيًا، ويبرز هنا الأخ الأكبر محمد كإحدى الشخصيات الفرعية المحورية، وهو ما ‏يمنحه الكاتب حضورًا بطوليًا صامتًا. فمحمد ليس مجرد أخ، بل هو‎:‎
‎· ‎الحضور الثابت: الأب البديل بعد رحيل الوالد، والسند الذي يدفع الفواتير‎.‎
‎· ‎المعلم المخلص: أربعون عامًا في سلك التدريس والإدارة التربوية، وهو من قال دائمًا: "العلم هو الطريق الوحيد، فلا ‏تترددوا في طلبه مهما كلفكم الأمر".‏
‎· ‎الناصح الحكيم: الذي يلجأ إليه الجميع في أوقات الضيق‎.‎
أما ابن العم محمد، فهو بطل المشهد البطولي في حادثة سقوط الغار على الأب، حيث صرخ في وجه الموت بعزيمة لا ‏تلين: "نعيش معًا أو نموت معًا... لا أتركك يا عمي، لن أتركك أبدًا"، وقاد عملية الإنقاذ بيديه رغم جرح رأسه النازف، ‏مما يعكس روح التضحية والإخلاص التي تميز الأسرة الممتدة‎.‎
أما الشخصيات الأخرى فتحمل دلالاتها‎:‎
‎· ‎حسن (الصديق): رمز الصداقة والإخلاص‎.‎
‎· ‎فاطنة (الأخت): رمز الأمومة البديلة‎.‎
‎· ‎يوسف (التلميذ): رمز الأمل والتجديد‎.‎
‎· ‎سعيد (رجل الأعمال): رمز الكرم الشعبي‎.‎
هذا التكوين الدرامي يخلق عائلة ممتدة، لا تقوم على الدم فقط، بل على القيم المشتركة والحب المتبادل‎.‎
ثالثًا: البعد الإنساني - السرطان كاستعارة وجودية
‎1. ‎السرطان: العدو الداخلي
يتم تقديم السرطان في الرواية ليس فقط كمرض جسدي، بل كاستعارة للعدو الداخلي الذي ينهش الجسد والروح. لكن ‏المواجهة معه لا تكون عبر الدواء فقط؛ بل عبر الحضور، والنظر، والحب‎.‎
يقول الراوي: "لم يكن الطبيب يتحدث عن النظر بالعينين فقط. كان يتحدث عن تأمل. عن رؤية الجوهر. عن الإحساس ‏بوجودها قبل أن يتحول إلى غياب‎."‎
السرطان هنا يصبح دافعًا لإعادة النظر في الحياة، للكشف عن الجواهر المخفية في العلاقات الإنسانية‎.‎
‎2. ‎الموت: الباب لا النهاية
تقدم الرواية رؤية مختلفة للموت، من خلال خديجة التي تقول: "الموت ليس نهاية... هو مجرد انتقال". هذه الرؤية لا ‏تنتمي فقط إلى العقيدة الدينية، بل إلى فلسفة وجودية تعتبر الموت جزءًا من دورة الحياة‎.‎
‎3. ‎الرعاية التلطيفية: ثورة في مفهوم الطب
تقدم الرواية مفهومًا متقدمًا للرعاية الصحية من خلال الرعاية التلطيفية، التي تعني الاعتراف بأن الشفاء ليس هدفًا ممكنًا ‏دائمًا، والتركيز على جودة الحياة بدلًا من طولها. هذا المفهوم يُقدَّم ليس كخيار طبي فحسب، بل كفلسفة إنسانية، وكثورة ‏على النموذج الطبي التقليدي‎.‎
رابعًا: البعد الاجتماعي والسياسي - سوسيولوجيا النسيان
‎1. ‎التفاوت الطبقي وهندسة المدينة
ترسم الرواية صورة قاسية للتفاوت الاجتماعي في المغرب من خلال وصف مدينة اليوسفية التي "شطرها الحديد". الخط ‏السككي ليس مجرد شريط حديدي، بل هو فاصل طبقي، وحدود رمزية بين الأغنياء والفقراء، وبين "ديور النصارى" ‏و"الكاريانات".‏
‎2. ‎الذاكرة الجمعية وتاريخ المنسيين
يتناول الكاتب قضية الذاكرة الجمعية من خلال البحث عن الجد المجهول، الرجل الذي قاتل الاحتلال لكنه لم يُسجل في ‏دفاتر التاريخ. هذا يطرح سؤالًا كبيرًا: من يكتب التاريخ؟ ومن يُنسى؟‏
‎3. ‎العنف المؤسسي: المدرسة والمناجم
ترصد الرواية نماذج متعددة من العنف المؤسسي: عنف المدرسة (صفعة المعلم)، وعنف المناجم (سقوط الغار)، وعنف ‏المستشفى (الفواتير الباهظة). لكن الرواية لا تقف عند الرصد، بل تقدم نموذجًا للمقاومة عبر التضامن الأسري، والعمل ‏الجمعوي، والإبداع الثقافي‎.‎
خامسًا: البعد الرمزي والدلالي‏
‎1. ‎الخبز والحصيرة والقمح: تتكرر في الرواية رموز مرتبطة بالحياة اليومية الفقيرة‎:‎
‎· ‎الخبز: رمز البقاء، والعطاء، والحب‎.‎
‎· ‎الحصيرة: رمز المكان الثابت، والموطن، والجذور‎.‎
‎· ‎القمح: رمز التدبير والحكمة، وقصة يوسف التي تتكرر في حياة خديجة‎.‎
‎2. ‎الضوء والظلمة: تتوالى صور الضوء والظلمة في الرواية؛ ضوء المصباح في طفولة خديجة، وأضواء النيون الباردة ‏في المستشفى، وظلمة النفق حيث يلعب الأطفال، والنور في نهاية النفق كرمز للأمل. هذه الثنائية تعكس الصراع ‏الوجودي بين الحياة والموت‎.‎
‎3. ‎المطر: المطر في الرواية ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو علامة الخصب، ورفيق الحزن، وشاهد على الألم، ‏وعنصر تطهيري في لحظات التأمل‎.‎
سادسًا: البعد العلاجي للكتابة ودورها في بناء الأسرة
‎1. ‎الكتابة كمواجهة: تقدم الرواية نفسها كفعل علاجي، حيث يكتب الراوي ليواجه الألم، وليس ليهرب منه. هذا ما يسميه ‏علم النفس الكتابة التعبيرية، التي أثبتت فاعليتها في معالجة الصدمات النفسية‎.‎
يقول الراوي: "الكتابة أشبه بجلسة علاج نفسي، أعيد فيها بناء ماضيّ، وأفهمه، وأمنحه معنى جديدًا‎."‎
‎2. ‎تحويل الألم إلى مشروع إصلاحي للأسرة: الانتقال من الحزن الشخصي إلى المشروع الإنساني هو التحول الأكبر في ‏الرواية. الراوي لا يكتفي بالبكاء على أمه، بل يبني مدرسة، ومركزًا للرعاية، ومؤسسة إنسانية، ويدعو من خلال ذلك إلى ‏إصلاح مفهوم الأسرة في زمن التفكك‎.‎
‎3. ‎الجماعة الشافية: الرواية تؤكد دور الجماعة في الشفاء. الراوي لا يواجه الألم وحده، بل مع أخيه محمد، وحسن، ‏وفاطنة، ويوسف، وسعيد، والمتطوعين. هذه الشبكة العلائقية هي التي تحول الألم الفردي إلى قوة جماعية، وتؤكد أن ‏الأسرة ليست جدرانًا بل علاقات‎.‎
خاتمة: النظر كفعل خلاص والأسرة كمنهج حياة
في النهاية، تقدم رواية "حين يصير النظر عبادة" رؤية متكاملة للعلاقة بين الإنسان والآخر، بين الحياة والموت، وبين ‏الألم والمعنى. إنها ملحمة إنسانية تبدأ من عتمة اليوسفية وصولًا إلى أضواء العالمية، ومن صرخة طفل يضرب على يده ‏إلى مؤسسة رعاية تحمل اسم أم‎.‎
العنوان "حين يصير النظر عبادة" يحمل في طياته دعوة أخلاقية وبرنامجًا وجوديًا: أن نتعلم كيف ننظر إلى من نحب ‏قبل أن يتحولوا إلى ذكرى، وكيف نرى في كل وجه عالمًا يستحق التأمل والحب‎.‎
والرسالة الأعمق، التي تكتسب راهنية قصوى في زمننا، هي الدعوة إلى إصلاح الأسرة، وإعادة الاعتبار لها كخلية ‏أساسية في بناء المجتمع. فالرواية، من خلال تفاصيلها الحياتية وعمقها الفلسفي، تؤكد أن الحب هو الفعل الأسمى، وأن ‏الحضور هو أعلى درجات الوعي، وأن الأسرة ليست جدارًا بل حياة‎.‎
‎"‎لأن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان بمن يحب، ليس أن يمنع عنه الموت، فهذا محال، بل أن يجعل من حياته بعد مماته ‏سببًا في إحياء الآخرين‎."‎
وكان اسمها... خديجة‎.‎
وهذه القراءة الذاتية والدراسة النقدية... هدية إلى أخي الأكبر الأستاذ محمد، المعلم الذي قضى أربعين عامًا في بناء ‏الأجيال، تكريمًا لسنواته التي لم يطلب فيها جزاءً، وإيمانًا بأن العلم والأسرة هما أساس أي نهضة.‏